مودي في الكنيست الإسرائيلي
08 مارس 2026
08 مارس 2026
لم يكد العالم يصحو من تصريحات السفير الأمريكي في الكيان الإسرائيلي مايك هاكابي، التي قال فيها إنه لا يرى مانعًا في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حتى تفاجأ بخطاب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يوم الأربعاء 25 فبراير الماضي، أمام الكنيست الإسرائيلي، ليعلن بوضوح أنّ بلاده تقف «بثبات» إلى جانب إسرائيل، مقدمًا تعازيه في ضحايا السابع من أكتوبر 2023، وأن «لا قضية تبرر قتل المدنيين»، وذهب أبعد من ذلك عندما أعلن أنّ الهند وقفت إلى جانب إسرائيل رسميًّا وبقناعة كاملة، لأنها معجبة بـ«عزيمة إسرائيل وشجاعتها وإنجازاتها»، وأنه يحمل رسالة احترام لإسرائيل من 1.4 مليار مواطن هندي. وهو بذلك لا يتجاهل الشعب الفلسطيني ومعاناته من الاحتلال فحسب، بل يتجاهل أيضًا، أكثر من مئتي مليون مسلم من الهنود في بلاده، ممن وقفوا دائمًا في الصف الفلسطيني، وعبّروا مرارًا عن رفضهم للانتهاكات الإسرائيلية، ودعمهم لحق الفلسطينيين في الحرية والكرامة والاستقلال، رغم الضغوط السياسية والإعلامية المتواصلة عليهم اليوم، وكذلك يتجاهل ملايين من الأحرار الهنود الذين لهم مواقف مشرفة ضد إسرائيل.
كان خطاب رئيس الوزراء الهندي -الذي ألقاه قبل ثلاثة أيام فقط من العدوان على إيران- إعلانًا صريحًا عن اصطفاف سياسي وعسكري، يضع الهند في صفّ واحد مع إسرائيل في مواجهة القضية الفلسطينية، ويكشف عن موازين قوى دولية تتغير، بسبب الغياب العربي المدوٍّي.
هذه الزيارة هي الثانية له لإسرائيل، وجاءت في توقيت حساس، حيث الحرب على غزة ما زالت مشتعلة، والجرائمُ بحقّ المدنيين الفلسطينيين موثقة بالصوت والصورة. ومع ذلك، اختار مودي أن يتجاهل هذه الحقائق، وأن يقدّم رواية إسرائيلية خالصة، متبنيًا خطابًا يعطي الشرعية للاحتلال ويمنحه غطاءً سياسيًّا لارتكاب جرائمه؛ فهو لم يكتفِ بالحديث عن التعاون الاقتصادي أو التكنولوجي، بل أرسل رسالة سياسية مباشرة مفادها أنّ الهند ترى إسرائيل طرفًا شرعيًّا وحليفًا ثابتًا، وأنها مستعدة لتوسيع التعاون العسكري والتكنولوجي معها، ويكفي أنّ الكيان الإسرائيلي وأمريكا شنا عدوانهما على إيران بعد تلك الزيارة مباشرة.
والحقيقة أنّ موقفًا كهذا لم يكن ليُعلن بهذه الصراحة، لولا إدراك الهند أنّ العرب فقدوا أوراق الضغط، وباتوا عاجزين عن فرض أيِّ معادلة سياسية أو أخلاقية على الساحة الدولية، وهم الذين يُساقون إلى مؤتمرات السلام الوهمية وهم ينظرون، وتُوجّه لهم الإهانات عبر الشاشات وهم يبتسمون ابتسامات بلهاء، بحجة حمايتهم، وقد رأينا أنّ كل القواعد الأجنبية في دول المنطقة لم تستطع أن تحمي هذه الدول من الهجمات الصاروخية.
في الوقت الذي تراجعت فيه العلاقات العربية الهندية، نجد علاقات نيودلهي بتل أبيب قد تحوّلت إلى شراكة استراتيجية ذات طابع أمني وعسكري بالدرجة الأولى، إذ تُعدّ الهند حاليًّا، واحدة من أكبر الأسواق لصادرات إسرائيل من الأسلحة والصناعات العسكرية والأمنية. ولا يمكن النظر إلى خطاب «الاحترام» المتبادل بين الهند وإسرائيل بمعزل عن لغة أخرى أكثر صراحة، هي لغة السلاح؛ فالأرقام وحدها تكشف عمق هذا الارتباط، إذ أنّ الهند استحوذت بين عامي 2020 و2024 على أسلحة إسرائيلية بقيمة تقارب 20.5 مليار دولار، أي نحو ثلث صادرات إسرائيل العسكرية. وفي عام 2026 فقط، مضت إسرائيل في إقرار صفقات جديدة بقيمة 8.6 مليار دولار، في مشهد يجعل من تل أبيب أحد أبرز مزودي نيودلهي بالسلاح، ويطرح سؤالًا مشروعًا عما إذا كانت المصالح العسكرية هي التي ترسم حدود المواقف السياسية وتحدد سقفها. ولم يقتصر التعاون بين البلدين على صفقات البيع فقط، بل امتد إلى مجالات أوسع تشمل تبادل الخبرات والتدريب، والتعاون في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ويكفي أنه خلال زيارة مودي للكيان، وقّع مع نتنياهو ست عشرة اتفاقية جديدة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
هذا يعيدنا إلى التاريخ قليلًا، فعندما كان للعرب قيمة، وقفت الهند مع القضايا العربية؛ ففي عهد جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، تبنّت نيودلهي موقفًا داعمًا للقضية الفلسطينية، ورفضت الاعتراف بإسرائيل لسنوات طويلة، انسجامًا مع مبادئ حركة عدم الانحياز، التي كانت الهند من أبرز مؤسسيها. وكان نهرو يرى أنّ العدالة تقتضي الوقوف إلى جانب الشعوب المستعمَرة، وأنّ فلسطين نموذجٌ صارخٌ للاستعمار الاستيطاني، لكن مع مرور العقود، ومع الهوان العربي تغيّرت أولويات الهند الاقتصادية والأمنية، فبدأ الموقف يتبدّل تدريجيًّا، وصولًا إلى مودي الذي قلّب المعادلة رأسًا على عقب، وجعل إسرائيل شريكًا استراتيجيًّا في الدفاع والتكنولوجيا؛ وهذا التحول التاريخي يوضح أنّ خطاب مودي في الكنيست هو تتويج لمسار طويل من التخلي عن المبادئ الهندية القديمة من جهة، وتراجع التأثير السياسي العربي من جهة ثانية.
سبق أن كتبتُ مقالًا في يوليو 2017، تحت عنوان «الهند وإسرائيل: زواجٌ في الجنّة وإنجابٌ في الأرض»، عن الزيارة الأولى لمودي للكيان الإسرائيلي، وعندما عدتُ إليه -وأنا أكتب هذا المقال- وجدته يصلح للنشر كاملًا، لكني أقتطف منه هذه الفقرة، لأنها تصف وضع العرب بين تلك الفترة والفترة الحالية: «قلتُ لأحد الأصدقاء إنّ زيارة مودي لإسرائيل مؤلمة؛ وسألني: أيهما أكثر إيلامًا، الزيارة أم تسابق العرب نحو إسرائيل؟!. قلتُ له إنّ الزيارة لم تتم إلا لأنّ حالة العرب قد وصلت إلى الحضيض؛ فقد استطاع الزعيم جمال عبد الناصر أن يفرض على قيادات العالم التاريخية أن تقاطع إسرائيل ولا تقيم معها علاقات رسمية، مثل شو إن لاي في الصين، وجواهر لال نهرو في الهند، الذي كان متحمسًا لمشاركة إسرائيل في قمة «باندونج» عام 1955، والتي أسست لحركة عدم الانحياز، حيث وُجِّهت الدعوة فعلًا لإسرائيل للمشاركة، إلا أنّ نهرو اضطر إلى سحب الدعوة، لأنّ عبد الناصر رفض تلك المشاركة، وهدّد بمقاطعة المؤتمر في حال مشاركتها، وبالتالي فإنّ الدول العربية الأخرى ستقاطعه. فرضخ نهرو ومن معه للأمر الواقع».
هناك حقيقة مؤلمة هي التي تجعل مثل مودي وقبله السفير مايك هاكابي، يتجرآن على استفزاز المشاعر العربية، ألا وهي حقيقة التخاذل العربي. في الماضي، كان للعرب -كما رأينا- وزن سياسي واقتصادي، أجبر دولًا كبرى على مقاطعة إسرائيل أو على الأقل التعامل معها بحذر. أما اليوم، فإنّ هناك بعض الأنظمة العربية ساندت الكيان الإسرائيلي للقضاء على حماس وحزب الله، وتفتح الأبواب أمام التطبيع، في وقت تدفع فيه مليارات الدولارات للحفاظ على بقائها، دون أن تقدِّم للعالم مشروعًا حضاريًّا أو علميًّا يمكن أن يشار إليه بالبنان.
لقد افتقد العرب قوة ضغط ممّا جعلهم يتحولون إلى عبء على أنفسهم وعلى قضيتهم. حين كان النفط سلاحًا، وحين كانت المقاطعة الاقتصادية والسياسية أداة فاعلة، كان العالم يحسب ألف حساب قبل أن يمد يده لإسرائيل، أما الآن، فقد صار العرب هم الذين يخدمون المشروع الصهيوني، سواء كان عبر التشجيع على القضاء على المقاومة والتطبيع المباشر، أو عبر الصمت المطبق على الجرائم اليومية التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين واللبنانيين وضد إيران. وماذا كانت النتيجة؟! أن تتحول إسرائيل إلى مركز جذب عالمي في التكنولوجيا والدفاع، فأصبحت دولٌ مثل الهند لا ترى في العرب شركاء يمكن الاعتماد عليهم، بل مجرد ممولين يستهلكون التكنولوجيا ولا ينتجونها. في المقابل، فإنّ إسرائيل تعرض نفسها كقوة ابتكار، قادرة على تقديم حلول في مجالات الأمن السيبراني والزراعة المتقدمة والصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي. فهل يمكن أن يلام مودي أو أيِّ دولة أخرى تتسابق للاستفادة من الكيان الإسرائيلي على حساب العرب، الذين اكتفوا بدور المتفرج العاجز؟!
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
