الحرب على إيران: السيناريوهات الكارثية تتقدم

08 مارس 2026
08 مارس 2026

يشهد المسار الاستراتيجي للحرب على إيران تطورا كيفيا شديد الخطورة خاصة من زاوية مدى تورط أو توريط العرب، بمن فيهم عرب الخليج في هذه الحرب. سيترك هذا التطور أثرًا هائلًا على مصير الحرب وعلى مستقبل وأمن المنطقة وحياة أجيالها القادمة ربما لعقود عديدة مقبلة.

في فهم هذا التطور يقتصر التحليل السياسي دوره على الوقوف عند الوقائع التي فرضت نفسها على الأرض ووضعت الحرب في مسار مختلف وليس على تقديم أحكام أخلاقية عمن كان المتسبب ومن كان رد الفعل.

التطور الأول يمكن وصفه بالانتقال من نموذج الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران إلى نموذج التحالف الدولي -الإقليمي ضد إيران:

هذا هو التطور الأخطر منذ بدء الحرب قبل ١١ يوما؛ فالفرضية المضللة التي عرفت الحرب باعتبارها حربا أمريكية - إسرائيلية فقط تبددت تمامًا. وتبدد معها ادعاء أن واشنطن تخلت فيها عن نموذجها المفضل في بناء تحالف دولي إقليمي يحشد كل قدرات العالم ويعطي شرعية ولو منقوصة لكل حرب أو غزو قامت به في الشرق الأوسط منذ عاصفة الصحراء ١٩٩١.

في الأيام القليلة الماضية تبدى أن ما تغير في أمريكا ترامب فقط هو أنها نبذت الشرعية الدولية ولم تحصل قبل ضرب إيران على قرار من مجلس الأمن الدولي يبرر العملية العسكرية كما فعلت في غزو العراق وأفغانستان وفي عمليات التدخل و«القيادة من الخلف» وزرع الفوضى في ليبيا وسوريا.

لكن ثبت بالدليل القاطع أن واشنطن لم تتخل عن نموذج التحالف الدولي سواء كان العامل الحاسم في ذلك التطور هو التخطيط الأمريكي المسبق لدفع العرب ودول الخليج لفخ المواجهة مع إيران أو أخطاء وعشوائية توسع الإيرانيين في استهداف معظم الدول الخليجية التي توجد بها القواعد الأمريكية، وبالتالي انتقال مواقف بعض هذه الدول من «إعلان» الحياد في الحرب إلى التعهد بالرد على «العدوان الإيراني» فالنتيجة الاستراتيجية واحدة.

يرى عالم سياسة مرموق مثل مارك لينش أن التحالف الذي سعت إليه واشنطن وتل أبيب منذ عقود لبناء حلف عسكري عربي إسرائيلي قد تحقق فعلا على الأرض لكنه يرى أنه سيقود في النهاية لشرق أوسط كله خراب.

ويصل تحليل الإيكونوميست اليمينية في الاعتراف بوجود هذا التحالف الذي جعل إيران وحيدة ومعزولة إلى حد وصف هذه الحرب بحرب الخليج الثالثة بسبب ما تراه انخراطا فعليا لدول المنطقة في الحرب.

من ضمن مشاهد تبلور التحالف كان انضمام فرنسا وبريطانيا بحشود عسكرية كبيرة للحرب وإن أصروا على أنها ستقوم بمهام دفاعية وليست هجومية تتركز على حماية الملاحة الدولية ومنع الإغلاق التام لمضيق هرمز وحماية دول في الخليج تربطها بها اتفاقيات ثنائية في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

حسب مصادر، فإنه حتى هذا الدور يعد توزيعا محكما للأدوار؛ إذ يسمح لأمريكا وإسرائيل تركيز جهودهما على الدور الهجومي الكاسح على إيران ويقصر الدور الدفاعي على حماية إسرائيل من الهجمات الإيرانية، بينما يتكفل الأوروبيون بسد ثغرات الدفاع الجوي في الخليج التي أنهت عقودا من بقاء دول مجلس التعاون بعيدة وآمنة من وصول شرر الحروب السابقة إليها.

ضمن هذا التبلور للتحالف انتقل الخطاب السياسي في غير بلد عربي من رفض الحرب على إيران وإدانة الهجمات الإيرانية على الدول العربية إلى التركيز فقط على «العدوان الإيراني» وإهمال الحرب غير المشروعة دوليا التي شنتها أمريكا وإسرائيل على بلد مستقل.

حسب محللين عرب وأجانب فإن اجتماع الجامعة العربية الذي عقد أمس يهدف من قبل البعض لإعطاء شرعية لقيام التحالف الغربي/العربي في مواجهة إيران تماما كما فعل قرار سابق للجامعة في فتح الطريق لنشوء تحالف مماثل ضد العراق ١٩٩٠- ١٩٩١.

التطور الثاني هو انتقال العمليات الحربية إلى مستوى آخر شديد الخطورة خاصة ابتداء من اليوم السابع.

هذا التطور يدعم التطور الأول ويعمق التورط العربي في الحرب الحالية بدلا من التركيز على وقفها ومنع نتنياهو من الفوز بجائزة إزاحة العقبة الإيرانية أو العقبة الوحيدة الباقية أمام سيطرته على الشرق الأوسط وتغيير خرائطه وفرض التطبيع الإبراهيمي.

يتلخص هذا التطور في قيام الأمريكيين والإسرائيليين لأول مرة بقصف محطات تحلية المياه ومحطات الطاقة ومخازن النفط الإيرانية؛ أي الانتقال من الأهداف العسكرية وتدمير سلسلة القيادة والسيطرة إلى تدمير مقومات الحياة اليومية للمواطنين.

ويزعم الإيرانيون أن لديهم أدلة على أن هذه الهجمات انطلقت من قواعد أمريكا في بعض الدول الخليجية.

وتعهد مسؤولون إيرانيون من وزن علي لاريجاني الرجل القوي في طهران الآن وكذلك عضو مجلس القيادة المؤقتة ورئيس المحكمة العليا غلام حسين محسني الذي قال: «هناك أدلة لدى القوات المسلحة الإيرانية على وضع أراضي بعض دول المنطقة بشكل علني أو سري للهجوم على إيران ومن ثم ستستمر الهجمات العنيفة منا ضد هذه الأهداف وهذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حاليا».

الانتقال إلى هذا المستوى يعيد طرح السيناريوهات الكارثية التي طرحت نظريا من قبل وهو أن تقوم إيران التي تعتمد سياسة عليَّ وعلى أعدائي بضرب مصافي النفط وحقول الغاز ومحطات تحلية المياه في بعض دول الخليج العربية، وهو سيناريو كان مسؤولون في الخليج قد حذروا قبل شهور من أن حدوثه يعني اختفاء المورد الأساسي للمياه العذبة وتفشي العطش.

البعض يتحدث حتى عن خطأ أو عمل متعمد قد يفجر مفاعل بوشهر الإيراني النووي القريب من مياه الخليج وينشر الإشعاع النووي.

ماذا تعني هذه التغيرات الكيفية في مشهد الحرب الجارية منذ عشرة أيام؟

إننا أمام حرب ليست قصيرة وقواعد الاشتباك فيها تم اختراقها وتجاوزها. يقود هذه الحرب تصميم ترامب ونتنياهو على الاستسلام التام غير المشروط من النظام الإيراني، وتصميم النظام الإيراني ذي الطابع العقيدي الديني والسياسي المتجذر مع روح كبرياء قومي متشدد لحضارة قديمة على عدم الاستسلام حتى لو كان الفناء هو المصير، لكنه عندما يحدث ذلك سيأخذ معه كل ما يستطيع أن يأخذه لهذا المصير.

قد تؤدي عملية الاستنزاف المتبادل للصواريخ الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي والضرر المتزايد للاقتصاد العالمي والتهديد المخيف بتوقف إمدادات الطاقة من المنطقة وارتفاع أسعار النفط والغاز والضغوط الشعبية في دول المنطقة وفي الولايات المتحدة إلى سيناريو أقل كابوسية من السيناريو العدمي والتدمير الشامل لكن المؤشرات حتى الآن تتحدث عن أطراف تتعامل مع الحرب باعتبارها حروبا صفرية ووجودية غير قابلة لحلول وسط وتقديم تنازلات متبادلة.

تبقى سلطنة عمان ودول محدودة في الإقليم متمسكة برصانتها السياسية ومصممة على عدم التورط في الحرب وعلى عدم اليأس من جهود التفاوض والوساطة.

هذه الدول تدرك مخاطر استمرار الحرب واتساع نطاقها وتعرف أنها إذا انتهت بهزيمة ساحقة لإيران فهي مقدمة حروب وفوضى وربما إرهاب أسود لعقود قادمة. وربما تعلم أيضا أن سقوط إيران يعني انهيار التوازن الاستراتيجي الذي ساد المنطقة معظم العقود الخمسة الماضية.

وبالتالي، هو بداية لعهد إسرائيلي تهيمن فيه الدولة الوظيفية على المنطقة وتبتلع كل فلسطين في طريقها نحو إسرائيل الكبرى.

عهد سيعطي فيه العرب الجزية «ثرواتهم وسيادتهم» عن يد وهم صاغرون لإسرائيل وحلفائها في تحالف U2 I2 والاتفاقات الإبراهيمية.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري