الحرب ضد إيران قد تضعف أمريكا وتفيد الصين
08 مارس 2026
08 مارس 2026
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني -
إن الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، ويرى عدد من المحللين السياسيين الداعمين للموقف الأمريكي أن الحرب سوف تُضعف إيران، وبالتالي سوف تزيد القوة الأمريكية الدفاعية، ما يزيد من قدرتها على حماية حلفائها الإقليميين.
ولكن الاحتمال الذي وضعه المؤيدون لا يمكن أخذه بعين الاعتبار، فالحرب قد يطول أمدها ويحدث العكس، فاستنزاف أمريكا سوف يقوض من قوتها العسكرية ويضعفها على المدى البعيد، بدلًا من تعزيز قوتها، فالهجمات الأمريكية على إيران قادرة على إضعاف الحكومة الإيرانية لوقت قصير، ولكنها مع ذلك سوف تولد حالة من عدم الاستقرار على نطاق واسع، وبالتالي سوف تُجبر أمريكا على اتخاذ قرارات استراتيجية بهدف المواصلة في الضغط على خصمها.
وفي ظل الحرب الإيرانية الأمريكية، فإن واشنطن لا تخوض هذه الحرب فقط، بوصفها أمرًا يشغلها بشكل كبير ويضغط على مواردها، وإن كانت ذات تدخل عسكري، فهي كذلك تخوض في انشغالات أخرى تعني لها الكثير، ففي السنوات الماضية ركزت استراتيجية التنافس لواشنطن بشكل متزايد على القوى الكبرى، وخاصة على الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادي.
وهذه الاستراتيجية قد تخفت قواها الآن، فالحرب مع إيران تعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة عسكريا وعلى نطاق واسع في الشرق الأوسط، وهو ما يستنزف كثيرًا من موازنتها، وقد أمضى صناع السياسة الأمريكيون سنوات من الزمن في محاولة تقليص هذه الإنفاقات والحد منها.
الإنفاق الذي أُعلن عنه من قبل الولايات المتحدة في حربها ضد إيران يشمل الموارد العسكرية، وأنظمة الدفاعات الجوية، وكذلك أجهزة الاستخبارات، والآليات والصواريخ عالية الدقة، وكل تلك التكلفة سوف تحتاجها أمريكا وتعتمد عليها في صراعاتها المحتملة القادمة في مكان آخر.
حتى الحروب المحدودة قد تستنزف كميات كبيرة من الأسلحة عالية الكلفة، وقد تغير بوصلة أمريكا مؤقتًا عن اهتمامات أخرى كانت تشغلها بشكل مباشر. والحرب اليوم مع إيران إن طال أمدها فسوف تكون الولايات المتحدة الأمريكية في مأزق الانغماس بإدارة أمن الشرق الأوسط على حساب الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الأخرى والواسعة.
لا بد أن واشنطن الآن تعيش حالة من القلق الاقتصادي، فالاقتصاد عامل مهم لقيام الدول، والحرب تفتح خزائن الدول ماليا، وبحسب نموذج اقتصادي يدعى «بن وارتون» للميزانية، فإن الحرب على إيران قد تكلف اقتصاد الولايات المتحدة ما يمكن أن يصل إلى 210 مليارات دولار أمريكي، ويعتمد ذلك على إطالة أمد الحرب ومساحتها الجغرافية.
ومما يهدد الاقتصاد الأمريكي أنها تواجه بالفعل عجزا فيدراليا كبيرا والتزامات بفوائد عالية على الدين الوطني الأمريكي، وهذا الدين يقترب في الوقت الحالي من حاجز 39 تريليون دولار أمريكي.
الموقف الأمريكي الحالي يدفعها لمواجهة تحدٍ استراتيجي مهم في منطقة الشرق الأوسط، ويدفع نحو التساؤل حول مصداقية الدرع الأمريكية في منطقة الخليج العربي؛ فأمريكا تملك قواعد عسكرية في جميع أنحاء المنطقة، وكانت نتيجة اتفاقيات سابقة أن تلك القواعد تهدف إلى طمأنة دول المنطقة من أي هجوم محتمل من الخصوم.
لذلك، إذا استمرت الهجمات الإيرانية على دول الخليج التي تحتضن القوات الأمريكية، فإن الشك سيكون حاضرًا حول جدوى وجود الدرع الأمريكية في منطقة الخليج، وهذا ما يثير التساؤل حول الموثوقية والضمانات الأمريكية.
غير أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن دول المنطقة سوف تتخلى بشكل مفاجئ عن علاقاتها مع واشنطن، لكن حالة عدم اليقين قد تدفع الحكومات إلى إعادة التفكير في حساباتها الاستراتيجية، ومحاولة تنويع خياراتها السياسية. وقد تسعى الدول إلى توسيع شراكاتها الدبلوماسية والاقتصادية، بدلا من الاعتماد الكامل على طرف أمني واحد يوفر لها الحماية.
فالصين على سبيل المثال نجحت خلال السنوات الماضية في بناء علاقات اقتصادية وثيقة مع عدد من دول الشرق الأوسط، ومع تصاعد التوترات في المنطقة، حرصت بكين على التأكيد في خطابها الدبلوماسي على أهمية التهدئة والدعوة لذلك. وفي بيئة إقليمية يصبح فيها الاستقرار واستمرارية النشاط الاقتصادي من الأولويات الأساسية لدى الحكومات، فإن مثل هذا النهج قد يعزز من الحضور الدبلوماسي الصيني ويمنحه مساحة أكبر من التأثير. وفي الوقت ذاته، فإن الصراعات التي تشارك فيها قوى عسكرية كبرى تفتح المجال أمام دول أخرى لمراقبة مجريات الحرب والاستفادة منها في تطوير قدراتها العسكرية، فالحروب توفر كما كبيرا من المعلومات المتعلقة بالتكتيكات القتالية والتقنيات العسكرية وأنظمة الإمداد اللوجستي.
وبالنسبة للدول التي تتابع تطور الحروب الحديثة، فإن مشاهدة كيفية استخدام أنظمة الأسلحة المتقدمة في ساحات القتال الحقيقية تمنحها معرفة لا يمكن الحصول عليها من خلال المناورات والتدريبات العسكرية فقط.
ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن الصين تستفيد اقتصاديا من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فهي تعد من أكبر الدول المستوردة للطاقة في العالم، وبالتالي فإنها تتأثر بارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الإمدادات.
لكن من الناحية الجيوسياسية، فإن انخراط الولايات المتحدة عسكريا في المنطقة لفترة طويلة قد يصنع مجالا استراتيجيا يسمح لقوى أخرى بتوسيع نفوذها الدبلوماسي والسياسي.
ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود التنافس بين القوى الكبرى، فالصراع قد يفتح الباب أيضا أمام موجة أوسع من عدم الاستقرار داخل المنطقة.
فإيران، التي يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة وتتميز بتنوع عرقي ملحوظ، تعد من أكبر دول الشرق الأوسط، وأي اضطراب داخلي حاد فيها قد يقود إلى نتائج يصعب التنبؤ بها.
والتاريخ القريب يعطينا أمثلة واضحة على مثل هذه السيناريوهات، فبعد عام 2003 أدى انهيار مؤسسات الدولة في العراق إلى نشوء صراعات طائفية حادة وظهور جماعات متطرفة.
كما أن ليبيا بعد تدخل عام 2011 شهدت حالة من الانقسام السياسي والعسكري بين حكومات متنافسة ومجموعات مسلحة.
أما في سوريا فقد تحولت الحرب الأهلية إلى أزمة إقليمية ممتدة بعد أن كانت البلاد توصف في وقت سابق بأنها دولة مستقرة نسبيا.
وفي حال تعرضت إيران لحالة عميقة من عدم الاستقرار، فإن المشهد قد يتكرر ولكن على نطاق أوسع بكثير، إذ قد يؤدي التفكك الداخلي إلى إتاحة المجال أمام الجماعات المسلحة والميليشيات الإقليمية لتوسيع نشاطها، وهو ما يزيد من مستوى الاضطراب في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
كما تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية على المدى البعيد، وهي خطر انتشار الأسلحة النووية.
فعندما تلاحظ الدول التي لا تمتلك سلاحا نوويا أن دولا مثل العراق وليبيا، وربما إيران اليوم، أصبحت أهدافا لتدخلات عسكرية خارجية، فقد تصل بعض الحكومات إلى قناعة بأن امتلاك السلاح النووي يمثل وسيلة الردع الأكثر ضمانا في مواجهة أي تهديد خارجي.
وإذا بدأت دول أخرى في إعادة النظر في خياراتها النووية، فإن ذلك قد يؤدي إلى بيئة أمنية أكثر خطورة في المنطقة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحدي الأساسي يكمن في ضمان ألا تؤدي السياسات التي تهدف إلى تعزيز الأمن إلى إحداث مخاطر جديدة يصعب التحكم بها لاحقا.
ويبين التاريخ أن الحروب كثيرا ما تؤتي نتائج تتجاوز الأهداف التي بدأت من أجلها، فإذا أدى الصراع مع إيران إلى حالة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار الطاقة، وتحولات في موازين القوى الدولية، فإن النتيجة النهائية قد تكون إضعاف النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط بدلا من تعزيزه.
ألكسندر كلاكسون مؤسس ومدير مركز الأبحاث السياسية العالمية بلندن
نقلا عن آسيا تايمز
