ماذا حدث لرئيس السلام؟
08 مارس 2026
08 مارس 2026
ترجمة: قاسم مكي -
عندما خاض دونالد ترامب الانتخابات في عام 2024 أكد مرارًا حقيقة أنه كان أول رئيس منذ جيمي كارتر لم يورط الولايات المتحدة في نزاع مسلح جديد. وفي خطاب فوزه في ليلة الانتخابات طمْأَن الشعب الأمريكي بقوله «لن أبتدر حروبًا. سأوقف الحروب». بعد ما يزيد قليلا على سنة واحدة صادق الرئيس على استخدام القوة في سبعة بلدان مختلفة في فترته الرئاسية الثانية.
ظل ترامب لسنوات يستنكر على الرؤساء الذين سبقوه سجِلَّهم باهظ التكلفة من المغامرات العسكرية «الدون كيخوتية» الفاشلة في الشرق الأوسط. والآن مع مقتل المرشد الأعلى وتحول أجزاء كبيرة من إيران إلى أطلال يبدو أن ترامب اكتسب ذائقة تغيير الأنظمة في نهاية المطاف.
لقد أقدم على مقامرة سياسية كبيرة مع تأييد 27% فقط من الأمريكيين للضربات على إيران ووصف الديمقراطيين للهجوم بالحرب «الاختيارية» وانقسام الجمهوريين. لماذا فعل ذلك؟
في فترته الرئاسية الأولى تراجع ترامب عن حافة الحرب في عدة مناسبات. ففي عام 2019 أجهض ردا عسكريا على إسقاط طائرة مسيرة أمريكية بواسطة طهران لاقتناعه -كما يظهر- بنصح تكر كارلسون له بأنه سيخسر فرص إعادة انتخابه إذا دخل في حرب مع إيران. (كارلسون معلق سياسي أمريكي شهير - المترجم).
وكان اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني في العام التالي عملا عدائيا لكن ترامب سرعان ما سعى إلى تهدئة الأمور عقب ذلك بدلا من التورط في صراع خلال سنة انتخابية.
اليوم يبدو الرئيس أقل قلقًا بقدر كبير من هذه المخاطر. فهو الآن رئيسٌ «في فترته الرئاسية الثانية» ولا تلزمه مواجهة الناخبين مرة أخرى.
هذا الوضع يقلل من حساسيته تجاه المخاطرة السياسية عموما. فهو لم يعد يسعى إلى إعادة انتخابه ولكنه يفكر في «إرثه» الذي سيخلفه وراءه.
وصف كارلسون ضربات ترامب بالمقززة والشريرة. لكن ترامب لم يعد يصغي إليه. وأولئك الذين ينصت إليهم كالسيناتور ليندسي جراهام يدركون أن الرئيس مهتم الآن أكثر بإنفاق رأسماله السياسي وليس ادخاره.
فبعدما نصح ترامب بعدم استهداف سليماني في عام 2020 كان جراهام من بين الأصوات الرئيسية التي دفعته لتجاهل مثل هذه التحذيرات.
ترامب ليس أول رئيس يسعى إلى تغيير جذري في علاقة واشنطن مع طهران كوسيلة لتمتين إرث سياسته الخارجية. فمنذ ثورة 1979 تذبذبت العلاقات بين نوبات من العداء ومحاولات التوسط لتحقيق تقارب.
لكن سعى معظمُ الرؤساء لاستخدام المساحة السياسية التي توفرها الفترة الرئاسية الثانية في البحث عن حل دبلوماسي. وبشن ضربات عسكرية بمثل هذا الحجم غير المسبوق قلب ترامب هذه المقاربة رأسا على عقب.
بالنسبة لترامب استخدامُ القوة لا يتعارض مع السعي للسلام؛ بالعكس، لقد عبر مرارا عن الاعتقاد بفعالية ممارسة القوة العسكرية كأداة لصنع السلام. في حفل التوقيع على مجلس السلام الذي تأسس حديثا على سبيل المثال امتدح ترامب ضربات الصيف الماضي على المنشآت النووية الإيرانية واعتبرها «انتصارا عظيما آخر لهدف السلام النهائي» وتحدث أيضا بحماس عن «إبادة الإرهابيين» في نيجيريا وعن «محو» داعش في سوريا والعملية العسكرية «المذهلة» للقبض على مادورو في فنزويلا.
ميلُ ترامب إلى المصادقة على القيام بأعمال عنف متقطعة ليس جديدا. فهو يحتفي بانتظام بنجاحات فترته الرئيسية الأولى في القضاء على أفراد بداية من أبوبكر البغدادي في سوريا وإلى سليماني في العراق.
وهذا من بين الأسباب التي تفسر لماذا كانت جهود تصوير ترامب كرئيس «انعزالي» تعكس دائما نصف الحقيقة.
كما ينطوي وضعُ ترامب أيضا على تناقض مركزي في مواقف الرأي العام حول السياسة الخارجية.
فمن جهة ينحو الناخبون إلى معارضة الحروب الطويلة والمكلفة والتي يتحملون فيها التكاليف البشرية والمالية. بهذا المعنى هنالك موانع واضحة ضد الإفراط في قعقعة السلاح أثناء الحملة الانتخابية، وكما قال الرئيس جورج بوش مازحًا للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط «أنت لا تترشح للرئاسة في بلد ديمقراطي وتقول: من فضلكم صوتوا لي. أنا أعدكم بحرب».
ومن جهة أخرى تجد الاستطلاعات بانتظام أن الرأي العام الأمريكي يعبر عن قلق كبير من جملة من المهددات العالمية وتأييده استخدام القوة كأداة ملائمة للتعامل معها. ويظهر دائما تطويرُ الأسلحة النووية بواسطة إيران قريبا من أعلى قوائم هذه المهددات. فحوالي 77% من الأمريكيين يعتبرونه مهددا حاسما عند آخر استطلاع أجرته «جالوب» بشأنه في عام 2024.
مؤخرا جدا، أوضح استطلاع بواسطة «سي بي أس» قبل ثلاثة أيام فقط من الهجمات على إيران أن 51% من الأمريكيين يفضلون العمل العسكري ضد إيران لمنعها من إنتاج الأسلحة النووية. وتشير الأبحاث أيضا إلى أن الناخبين يفضلون باطراد المرشحين الذين يتخذون مواقف وسياسات تعكس صورة التشدد.
يمكن فهم ضرباتِ ترامب على إيران كنهاية منطقية لمساعيه في مراعاة نزعة راسخة في الرأي العام بأكل الكعكة والاحتفاظ بها في الوقت نفسه (الجمع بين نقيضين) في السياسة الخارجية. فالناخبون يريدون من القادة «ضرب الأشرار» وتحقيق النتائج التي يهتمون بها دون تحمل تكاليف القيام بذلك. ربما عززت شهية ترامب لركوب المخاطر أيضا الثقة في قدرته على قيادة الرأي العام. فالسياسة الخارجية بعيدة عن بال معظم الناخبين الذين يعتمدون على القادة السياسيين لشرح ما ينبغي عمله تجاه الأحداث في الخارج. وترامب قائد قوي للرأي العام، خصوصا وسط رفقائه في الحزب.
لنأخذ فنزويلا مثلا؛ وفقا لاستطلاع أجرته «يو جوف» في أواخر ديسمبر أيَّد 21% فقط من الأمريكيين استخدام القوة العسكرية لإطاحة نيكولاس مادورو. لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط وبعد قيام ترامب بذلك بالضبط تضاعف التأييد إلى 40%. وربما ما هو أهم أن قاعدة ترامب احتشدت إلى جانبه مع ارتفاع نسبة تأييد الجمهوريين من 43% إلى 78% خلال الفترة نفسها. ربما شغلت تصرفاتُ ترامب مستشاريه بالانخراط في ألاعيب بلاغية للتوفيق بين استخدامه المتكرر للقوة في الخارج ورؤيته التي يلخصها شعار «أمريكا أولا»، لكن يبدو أن المعارضة الجهيرة من عناصر الكتلة الصلبة في جناح «ماغا» بالحزب الجمهوري هي الاستثناء من القاعدة حتى الآن. كما ليس من غير المعتاد أيضا للرأي العام «الالتفاف حول العلم» على الفور عقب أي استخدام رئيسي للقوة في الخارج. ولا يزال من غير الواضح إذا ما كان القائمون على الحكم الآن يمكنهم التلاعب بالرأي العام بسهولة. (ممارسة التضليل الإعلامي لغرض سياسي على النحو الذي جسده فيلم «عندما يهزُّ الذيلُ الكلبَ» - المترجم).
لكن ترامب على الأقل مدرك لهذه الديناميكية. فهو كان قد تنبأ مرارًا بأن باراك أوباما سيشعل حربًا مع إيران لتعزيز أرقام الاستطلاعات المتراجعة أثناء الحملة الرئاسية في عام 2012.
سياسيا، يشير التاريخ إلى أن الشيء الوحيد الأسوأ من الإقدام على خوض حرب هو الفشل في كسبها بتكلفة مقبولة.
قد تمنح «سيولة» أهداف الولايات المتحدة التي قدمتها الإدارة الأمريكية لترامب وبعض مساحة كي يعلن الانتصار ببساطة إذا بدأت التكاليف في الارتفاع.
لكن قدرته على تحمل الخسائر البشرية لن تكون غير محدودة. وإذا بدأ الاضطراب في أسواق النفط في التأثير على محافظ النقود الأمريكية سيتضاءل بقدر أكبر استعداده للاستمرار في استخدام القوة.
لذلك يساعدنا السياق السياسي في الولايات المتحدة على فهم الكيفية التي وصل فيها ترامب إلى هذه المرحلة. لكنه أيضا يشير إلى الكيفية التي يمكن أن تكون بها الحرب «عبئا» على ترامب في الداخل إذا اتضح أن الانتصار إما باهظ التكلفة أو مراوغ أو كليهما.
أندرو بَيْن مدير الأبحاث ببرامج أوروبا وآسيا والأمريكتين بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس)
