اتفاق ترامب مع إيران بالغ السوء.. لكن ما البديل؟

21 يونيو 2026
21 يونيو 2026

ترجمة: قاسم مكي

ظل ترامب يشكو منذ فترة طويلة من أننا «لم نعد نكسب الحرب»، وتلك مشكلة عزاها إلى حركة الاستيقاظ والصوابية السياسية. (الاستيقاظ أو «ووكْنس» بالإنجليزية حركة ثقافية تحث على الوعي بالظلم الاجتماعي والعنصري، أما الصوابية السياسية فتعني تجنب اللغة والتصرفات التي قد تهين فئات اجتماعية مهمشة. ينتقد ترامب الأولى لاعتقاده بتشددها والثانية لأنها في ظَنِّه تحجر على الأقوال والأفعال- المترجم).

في العام الماضي شرع الرئيس الأمريكي في عمل شيء بشأن مشكلة العجز عن كسب الحروب وذلك بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب. وسارع وزير دفاعه بيت هيجسيث إلى مباركة ما فعله زاعما أن الوزارة «ستحارب لتنتصر»، وستخوض الحرب «بأقصى درجة من الضراوة وليس بالمشروعية المثبطة (للعزائم)».

كيف تمضي الأمور؟ لقد أنهى الرئيس لتوِّه حربا مع إيران. والوحيدون الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة انتصرت هم أولئك الذين على قائمة رواتب الإدارة الأمريكية، بل ربما حتى البعض من هؤلاء يضمرون شكوكا. وقد يفسّر ذلك ترك وزير الخارجية ماركو روبيو لنائب الرئيس جيه دي فانس مهمة تسويق هذا الاتفاق «سيئ الإعداد».

ندد مايك بينس نائب الرئيس في الفترة الرئاسية الأولى لترامب بمذكرة التفاهم مع إيران، واعتبرها «ترضية»، ووصفتها نيكي هالي سفيرته السابقة لدى الأمم المتحدة «بالخطأ الفاحش». وقال عضو مجلس الشيوخ تيد كروز: إن «منح بلايين الدولارات لِمَعَاتِيه ثيوقراطيين يريدون قتلنا ليس فكرة طيبة».

تتعالى زمجرات الغضب خصوصا وسط الإسرائيليين الذين يشعر العديدون منهم بأنهم خذلوا بتسوية تهدف إلى تحجيم تحركات إسرائيل ضد حزب الله، لكنها لا تفعل شيئا لوقف الدعم الإيراني للحزب. ووصف ديفيد هوروفيتس رئيس تحرير صحيفة «تايمز اوف إسرائيل» اتفاق ترامب بالاستسلام الكارثي.

رغم مشاطرتي قدرا كبيرا من هذا الأسى إلا أنني لست على يقين من أنه كان يوجد بديل أفضل.

من يعيبون الاتفاق على حق في قولهم إنه صفقة مخزية؛ فبموجب مذكرة التفاهم تتعهد الولايات المتحدة برفع الحصار البحري المفروض على حركة السفن الإيرانية، ومنح إعفاءات لتصدير النفط الإيراني، والإفراج عن كامل الأموال الإيرانية المجمدة لتيسير حصول جمهورية إيران الإسلامية على 300 بليون دولار على الأقل لإعادة البناء والتنمية الاقتصادية، وإنهاء كل أنواع العقوبات بموجب جدول متفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي.

إيران من جانبها بالكاد منحت أي شيء؛ فهي ببساطة تؤكد مجددا أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تقوم بتطويرها، وهذا تعهد قدمته على مدى عقود ولم تَفِ به. كما التزمت بتخفيف تخصيب مخزونها من اليورانيوم المخصب (11 طنا)، لكن ليس بالضرورة تسليمه إلى بلد آخر.

وستسمح أيضا بالمرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز مع احتفاظها بحقها بعد 60 يوما في فرض رسوم على ما كان «مجانا» قبل بداية الحرب.

لذلك لا عجب أن تزعم إيران الانتصار؛ فبعد 40 يوما من قصفها (من 28 فبراير إلى 8 أبريل) ما حققه ترامب أقل بقدر كبير مما حصل عليه الرئيس باراك أوباما في اتفاقه النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) دون أن يقصف إيران إطلاقا.

فرض اتفاق عام 2015 على إيران إرسال 98% من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، وحدد تخصيبها في المستقبل بنسبة 3.67% لمدة 15 عاما. ولم تخفف إدارة أوباما عقوباتها النووية إلا بعد تحقق المفتشين الدوليين من تقيدها بالاتفاق مع إبقائها على العقوبات الأخرى. ترامب بالمقابل يمنح إيران ثروة فجائية طائلة ببساطة لتفاوضها حول برنامجها النووي.

الصحيح أن مبلغ الـ 300 بليون دولار لإعادة البناء وعد زائف في الغالب، ومن المشكوك فيه أن تمنح الدول الخليجية التي قصفتها إيران أموالا لإعادة بنائها، لكن من المقرر أن تحصل طهران على 24 بليون دولار من أصولها المجمدة. وستبلغ قيمة إعفاءات العقوبات إلى جانب الرسوم التي تفرضها إيران في مضيق هرمز (والمخفية تحت اسم رسوم الاستخدام) عشرات البلايين من الدولارات الإضافية سنويا.

غالبا ما سيُستخدم ذلك المال لإعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية التي تعرضت إلى أضرار بالغة وزيادة دعم حزب الله؛ فترامب أساسا يمكِّن «النظام المتشدد» الذي تعهد بإسقاطه، ويخفف الضغوط التي قصد بها إنهاء برنامجه النووي. ولم يعد هنالك ما يوحي بوقف برنامجه الصاروخي أو دعم الجماعات الموالية له. في الواقع ترامب يدافع عن حق إيران في نشر الصواريخ وتخصيب اليورانيوم.

مع ذلك ورغم هذا السوء في الاتفاق ماذا كان البديل؟ المتشددون الذين يهاجمون ترامب الآن كانوا في السابق يهللون لهذه «الحرب الاختيارية» الطائشة. ما الذي كانوا يعتقدون أنه سيحدث إذا شنت الولايات المتحدة حربا «غير ضرورية» ولا تحظى بتأييد شعبي وعلى مبعدة «نصف العالم» ضد خصم قاسٍ كان يقاتل من أجل بقائه؟

أسهم تصرف ترامب غير المسؤول (كان يبدو أنه يغير أهدافه يوميا) في تشكيل مستنقع الحرب، لكن ما كان يمكن حتى لتشرشل أو أبراهام لنكولن هزيمة إيران في عدم وجود الرغبة في المخاطرة بنشر قوات برية والذي ببساطة لم يكن يحظى بتأييد في الولايات المتحدة.

ما كان للتشبث بالحرب على نحو ما أراد المتشددون إلا أن يفاقم من سوء تبعاتها الاقتصادية. وكما قال ترامب يوم الأربعاء: «لو لم نعقد هذا الاتفاق لكان علينا إسقاط المزيد من القنابل لثلاثة أسابيع أخرى أو أسبوعين أو أربعة أسابيع أو عامين إضافيين» ووقتها «ربما لن يُفتح لكم مضيق هرمز أبدا».

تلك هي الحقيقة «الكريهة» التي أدركها ترامب، وما زال غلاة المتشددين يفشلون في إدراكها؛ ففي هذه المرة أثبت الرئيس الذي يفتقر إلى الاتساق في مواقفه والقناعات الراسخة أنه يمتلك ميزة السماح لنفسه بالخروج من حرب لا يمكن كسبها بدلا من التصعيد لحفظ ماء الوجه.

الدرس المستفاد من هذه الفوضى ليس أن ترامب كان ينبغي عليه مواصلة القتال إلى أن يذعن الإيرانيون؛ فذلك لم يكن ليحدث أبدا. الصحيح أننا ما كان يجب علينا إطلاقا شن هذه الحرب في المقام الأول.

هكذا يتضح أن إعادة تسمية وزارة الدفاع لا تسمح لها في الواقع بتغيير النظام بطريقة سحرية بعد أسابيع من القصف. من كان يظن ذلك؟

ماكس بوت كاتب رأي بصحيفة واشنطن بوست وزميل أول بمجلس العلاقات الخارجية. أحدث كتبه «ريجان: حياته وأسطورته»

عن صحيفة واشنطن بوست