أصاب ترامب وانتهت الحرب باستسلام !
21 يونيو 2026
21 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
أعلن الرئيس ترامب في مارس أن صفقة إنهاء حربه مع إيران سوف تقتضي «الاستسلام غير المشروط»، ولم يكن ذلك صحيحا تمام الصحة؛ فالاتفاقية الأولية التي توصل إليها مع النظام الإيراني جاءت أشبه باستسلام مشروط من الولايات المتحدة.
في الأيام القليلة الأخيرة ظهر عدد من الجمهوريين وصقور الحرب ينتقدون الصفقة وهم مذهولون؛ إذ كتب الكاتب المحافظ إريك إريكسون أن «ترامب استسلم لإيران»، ونبّه عضو مجلس الشيوخ تيد كروز إلى أن «إعطاء مليارات الدولارات للمجانين الثيوقراطيين الراغبين في قتلنا ليس بالفكرة الجيدة».
وهذه الانتقادات صحيحة؛ إذ تمثل الصفقة الإيرانية انتكاسة كبيرة؛ لأنها توفر ارتياحا فوريا لإيران يتضمن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، ثم صندوقا بثلاثمائة مليار دولار للمساعدة في إعادة بناء إيران. ويبدو أنها تفتح الباب لظفر إيران بسيطرة جزئية على الأقل على مضيق هرمز، فيتسنى لها -بعد ستين يوما- أن تفرض رسوما على السفن العابرة بالمضيق.
وهذه «أسوأ غلطة في السياسة الخارجية منذ عقود» كما قال عضو مجلس الشيوخ بيل كاسيدي.
غير أن هذه الإدانات تغفل عن أهم نقطة، وهي أن خطأ ترامب الأساسي لا يتمثل في إنهاء الحرب وإنما يتمثل في دخولها من الأصل.
في هذه المرحلة كان ترامب محقا في التراجع، فلم تكن لديه خيارات جيدة وكان استمرار الحرب ليؤدي بالتأكيد إلى إزهاق مزيد من الأرواح. فضلا عن أنها كانت تدمر بالفعل الاقتصاد العالمي وفرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.
لقد قال ترامب: «إننا لو لم نبرم هذه الصفقة لكان بوسعنا أن نسقط المزيد من القنابل على مدى ثلاثة أسابيع أو اثنين أو أربعة أو على مدى سنتين، ولما كان مضيق هرمز انفتح أبدا، ولم أشأ أن أشهد كارثة اقتصادية».
والحقيقة المرة هي أن إيران انتصرت في الحرب، ولهذا فقد انتصرت في المفاوضات. ماطل ترامب ما استطاع؛ لأنه أدرك أن أي صفقة يمكن أن يرجو الوصول إليها ستكون مهينة، ولكن الفشل في الحرب لم يترك له مخرجا جيدا.
والدرس واجب الاستخلاص من هذه الكارثة هو اجتناب بدء حروب لا حاجة إليها، والحد من غرورنا الذي يحملنا على الظن بأن الأمور جميعا ستمضي على ما يرام تماما، وزيادة الاعتماد على الدبلوماسية في حل المشكلات العالمية.
في حالتنا الراهنة كان الصقور الأشد عزما على تدمير إيران هم أكثر من منحها القوة، وذلك ما يجب أن يكون حكاية تحذيرية.
لقد كان لدينا حل -وإن يكن شديد البعد عن المثالية- لمشكلة إيران النووية في عام 2015 يتمثل في اتفاقية الرئيس باراك أوباما النووية؛ فقد شحنت إيران جميع ما كان لديها تقريبا من اليورانيوم المخصب خارج البلد، وقللت التخصيب، وأتاحت نفسها للتفتيش الصارم، لكن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والصقور شجبوا تلك الاتفاقية.
فقال ترامب في عام 2018: إن اتفاقية أوباما مع إيران «بالغة السوء» مركزا على المال الذي أعيد إلى إيران في سياق الاتفاق. وفي العام الماضي قال: إنه «ما كان ليرد إليهم المال مطلقا» في سياق الصفقة، وقال: «كنت سأغلبهم في التفاوض».
فلعل ذلك ما كان ليحدث.
بعد أن أجهز ترامب على اتفاقية أوباما منذ ثماني سنوات أقام القادة الإيرانيون كما كان متوقعا برنامجهم النووي إلى أن تسببوا في أزمة. ربما كان ترامب ليضمن مساومة جيدة في فبراير من العام الحالي عشية الحرب، لكنه بدلا من ذلك سارع إلى إلقاء القنابل دون أن تكون لديه أي استراتيجية للخروج، ودون أن يحسب ـ في ما هو واضح ـ كيف سيرد على إغلاق مضيق هرمز.
وهذا الدرس المتعلق باجتناب الحروب غير الضرورية ليس بدرس جديد، لكن يبدو أن على كل جيل جديد أن يتلقاه طازجا؛ ففي الإلياذة يأسى أخيل على «هذه الرحلة الجنونية» لخوض حرب طروادة، «ومحاربة جنود آخرين بغية اغتنام زوجاتهم».
والحق أنه منذ أن كتب هوميروس عن سعي الإغريق إلى تغيير نظام الحكم في طروادة رأينا أنه كلما ازداد الطموح العسكري وجب علينا أن نتحلى بمزيد من الحذر.
ترجئ اتفاقية إيران قضايا مهمة بشأن قدرات إيران النووية إلى فترة قادمة في المفاوضات. وأخشى أن من نتائج هذه الحرب أن إيران سوف تكون أشد ميلا إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية. وتخميني هو أن فترة الأيام الستين المخصصة للتفاوض سوف تمدد، وأن إيران سوف تعمل على إبطاء المفاوضات النووية، وأن ترامب سوف يعزف عن قبول أي شيء يبدو شبيها باتفاقية أوباما، ثم سيفقد ترامب الاهتمام مثلما يبدو أنه نسي أمر غزة.
ولن تكون لدى أمريكا رغبة تقريبا في حرب إيرانية أخرى، وسوف يدرس الحري الثوري الإسلامي الذي ازداد قوة تبني استراتيجية كوريا الشمالية، ومحاولة إقامة ترسانة نووية لتأكيد هيمنته الإقليمية.
لقد انتهت هذه الحرب بإضعاف أمريكا وإزهاق آلاف من الأرواح أغلبهم من الإيرانيين واللبنانيين، لكن هناك أيضا ثلاثة عشر عسكريا أمريكيا. وتقول لي ليندا بيلمس -خبيرة تمويل الحروب بجامعة هارفرد-: إنها تعتقد أن الفاتورة الإجمالية النهائية لهذه الحرب - ويدخل فيها إصلاح القواعد وتجديد الذخائر وسنوات من التعويضات للعسكريين المصابين - ستصل في أرجح التقديرات إلى تريليون دولار أمريكي؛ فبدلا من دفع تكاليف برنامج الرعاية الصحية أو الكليات أو رعاية الطفل أو المساعدات الإنسانية يجري إهدار مبالغ طائلة في الخليج العربي.
وأكثر من خذلناهم هم عوام الإيرانيين؛ ففي يناير قال ترامب: إن «العون آتٍ في الطريق»، ولكننا تركنا الإيرانيين وقد تضاءل أملهم في التغيير. وبفضل عدم المبالاة الأمريكية ترددت أخبار بأن إدارة ترامب رحّلت هذا الشهر امرأة إيرانية إلى جمهورية إفريقيا الوسطى التي دمرتها الحرب والتي تنصح وزارة الخارجية الأمريكية بعدم زيارتها «لأي سبب».
لذلك يمكنكم أن تدينوا هذه الاتفاقية بكل طريقة، لكن المأساة هنا ليست في خروج ترامب من الحرب وإنما في الحرب نفسها، ودرس التاريخ هو أنكم حينما ترون حالة إفراط ثقة في النفس لدى جمع من الصقور وهم يعدون بنصر يسير، فإن عليكم أن تتحصنوا بالحذر.
نيكولاس كريستوف من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ 2001
