شيطنة الاتفاق.. فخ يحرم الخليج من فرصة السلام

21 يونيو 2026
21 يونيو 2026

هناك خيط رفيع لكنه مخيف للغاية بين الإقرار بأن اتفاق مذكرة التفاهم عكس انتصارا استراتيجيا لإيران، وفشلا أمريكيا إسرائيليا في ترجمة إنجازاتهم العسكرية التكتيكية لمكاسب سياسية، وبين القول: إن إيران تحولت لقوة إقليمية مخيفة ستبتلع الجميع.

المبالغة في ادعاء القوة التي ستحصل عليها إيران من الاتفاق هو فخ «إبراهيمي» دشنته الهاسبارا (البروباجندا الصهيونية) بعد أن ضاقت أمام نتنياهو فرص إفشال الاتفاق عسكريا على الأقل في المدى القصير.

هذه المبالغة وقع للأسف فيها بعض القوميين المتشددين في إيران وبعض المتحمسين من العرب الذين يشفي غليلهم ثأر إيراني ولو كان محدودا من إسرائيل عجز عنه النظام العربي الرسمي، وبعض نقاد ترامب في الداخل من الإعلاميين والديمقراطيين نكاية في الرئيس.

لكنهم في الحقيقة يقعون دون قصد في فخ نصبته إسرائيل وحلفاؤها في الإقليم يهدف لشيطنة الاتفاق، واستعادة الفزاعة الإيرانية التي تم التلاعب بالعالم العربي بها منذ ٤ عقود، وتم فيها تحويل إيران الجارة المسلمة -مع الاعتراف بكل التباينات معها- إلى العدو الأول، وتحويل إسرائيل العدو الحقيقي للأمة العربية وأمن شعوبها إلى صديق، بل حليف عسكري واستخباراتي يستعمل حتى ضد الجيران من الأشقاء العرب!تركزت عملية الشيطنة الرامية لتدمير الارتياح الشعبي والرسمي الذي ساد الخليج بعد توقيع الاتفاق كمدخل لاستعادة السلم في المنطقة، وقلب دفة هذا الارتياح إلى رياح توجس وقلق سوداء.

المقصود هو أن يقود هذا التوجس لاستعادة روح العداوة والصيغة الزائفة التي سممت المنطقة عبر ما سمي بتحالف المعتدلين العرب تحت خيمة واشنطن وإسرائيل في مقابل تحالف المقاومة الذي يضم إيران وقوى مسلحة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

بتفكيك عملية الدعاية الإبراهيمية في شيطنة الاتفاق واستعادة الفزاعة الإيرانية سنجد أنها لم تقتصر على عواء الندب والعويل في الإعلام الصهيوني، بل شارك فيها «متجنسون» عرب في دول الخليج.

وسنجد أيضا أن المبالغة في حملة تخويف من النصر الإيراني، وتحويل طهران لتنين متوحش سينفث نارا بعد الاتفاق على «الضفة الغربية للخليج» ارتكزت على ثلاثة محاور كبرى:

الهيمنة على المنطقة:

تدعي الهاسبارا أن ترامب عقد الاتفاق وهو في حالة نفاد صبر استراتيجي؛ وبالتالي فقد منح الإيرانيين وضعا جيواستراتيجيا يسمح لها بالهيمنة على كامل منطقة الخليج بضفتيه كما كان الوضع عليه أيام شاه إيران، ولكن مع نظام ثوري معاد لأمريكا وليس تابعا لها.

لا تمانع أمريكا تاريخيا من تسليم مفتاح المنطقة لإيران بشرط أن تكون تابعا خاضعا للغرب، وحليفة لإسرائيل، وتخضع مؤسساتها الأمنية للسي آي أيه والموساد كما كان الحال أيام الشاه، ولكن مصالحها الهائلة في الخليج والشرق الأوسط لا تسمح لأي رئيس أمريكي بأن يقبل باتفاق يمنح الحرس الثوري الإيراني المعادي لأمريكا بالتغول على المنطقة التي تمثل المصدر الرئيسي للطاقة والتدفق المالي والاستثماري في أمريكا الذي يبقى دولارها العملة الأقوى، ويبقيها هي نفسها حتى الآن القوة الاقتصادية والعسكرية الأعظم.

الخليج العربي في السبعينيات لم يعد هذا الخليج الذي بات يلعب دورا متزايدا في الاقتصاد وأمن الطاقة والذكاء الاصطناعي العالمي والذي يلعب دورا أكبر في الشؤون الإقليمية؛ وبالتالي إن تصور أنه لن يكون مع مصر حاضرا بشواغله الأمنية على مائدة التفاوض حول ترتيبات الأمن المستقبلية هو تصور بالغ السذاجة.

كذلك فإن واشنطن نيكسون وكارتر -في مرحلة التيه العربي- لم تعد هي واشنطن ما بعد ترامب؛ فهي لم تعد أسيرة مبدأ الركيزتين المتساندتين «إيران والسعودية twin Pillars doctrine»، بل طورت صيغة أمنية شديدة الخطورة للمنطقة هي صيغة التحالف الاستخباري العسكري الإبراهيمي، وركيزته هي إسرائيل والهند ودول عربية انضمت للاتفاق، وهي لن تعود عنه إلا إذا تأكدت أن العرب لن يرضخوا لضغوط الانضمام إليه، وأن الإيرانيين سيظلون مقاومين له.

تخطي العتبة النووية: تزعم هذه الحملة الدعائية الاستراتيجية أن الإيرانيين الذين كانت لديهم فتوى المرشد السابق تحرم تحول البرنامج النووي إلى سلاح نووي أبقاها في حدود القدرة، ولكن دون تخطي العتبة النووية سيتشجعون بهذا الاتفاق إلى التحول امتلاك قنبلة نووية. الدعاية السوداء هنا تتحدث عن أن المرشد صاحب الفتوى لم يعد حيا، وأن الإيرانيين تعرضوا لحربين ٢٠٢٥و ٢٠٢٦، ولو كان لديهم سلاح نووي مثل كوريا الشمالية لشكل ذلك رادعا يمنع الأمريكيين والإسرائيليين من شن الحرب عليها.

القضية كلها كاذبة لماذا؟ لأن المحادثات التي قادتها سلطنة عمان قبل الحرب الأخيرة وبتصريحات شديدة والوضوح من معالي السيد بدر بن حمد وزير الخارجية كانت قد تعهدت طهران فيها بشكل قاطع بعدم امتلاك أي مواد يمكن أن تقود لسلاح نووي، وقد فعلت الشيء نفسه في الاتفاق الجديد. الإيرانيون ليسوا في حاجة حاليا للرادع النووي كما أظهرت تجربة الحرب نفسها.

فقد تكفل إغلاقها لمضيق هرمز وامتلاكها للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بتشكيل رادع تقليدي حقق لها النصر الاستراتيجي، ودفع واشنطن لمائدة التفاوض، والتوصل لاتفاق تنازلات متبادلة خطوة مقابل خطوة.

الأهم من ذلك كله أن أولويات إيران على المديين القصير والمتوسط هو ترميم اقتصادها المتعثر، وإعادة بناء بنيتها التحتية، واستعادة قاعدة النظام الاجتماعية من فقراء الريف والمدن، والتصالح مع الطبقة الوسطى بإنفاق كل ما يوفره لها الاتفاق من إعادة بيع النفط، ورفع العقوبات، واسترداد تدريجي أموالها المجمدة في إغراق البلاد بالسلع الغذائية والأدوية، واستعادة الشرعية الشعبية التي تعرضت للتآكل بسبب الحصار الظالم الذي تعرضت له لعقود.

الخدعة الرئيسة الثالثة في لعبة الهاسبارا الصهيونية هي المبالغة في فكرة أن أمريكا بدلا من أن تغير القيادة المتشددة للنظام سمحت بعد اغتيال نحو ١٣٠ قياديا في الصفوف الأولى بظهور جيل جديد من القادة أكثر تشددا، بل لسيطرة العسكر ممثلا في الحرس الثوري على النظام بعد أن كان نظاما متوازنا بين الأيديولوجيات من رجال الدين والعسكريين والفنيين والبيروقراط في الخارجية والإدارة المدنية.

وهذه واقعة غير مؤكدة؛ إذ تثبت المهارة التفاوضية الإيرانية في التوصل للاتفاق حالة معقولة للغاية من تناغم وتنسيق هذه الأجنحة المختلفة.

الأهم من ذلك أن الجيل الجديد كما أظهرت المفاوضات عبر عن روح براجماتية اكتسبها مما شهده من تجارب الحرب العراقية -الإيرانية، وتجارب حروب ما بعد طوفان الأقصى التي علمته كيف يتحدث لغة المصالح القومية دون التخلي عن الإطار الأيديولوجي كإطار حاكم، وليس كإطار مانع أو مقيد للحركة السياسية الطليقة.

الحقيقة ربما تكون العكس؛ إذ يبدو أن الأمريكيين بتوقيعهم الاتفاق دخلوا في إطار سياق استراتيجي جديد هو أن هدفه الأقصى -باستعادة الجوهرة الإيرانية جزءا من التاج الإمبراطوري الأمريكي كما كانت قبل ٧٩- سيتم عبر التسلل المتهم لتغيير هادئ وطويل المدى نسبيا من داخل النظام، وليس من خارجه بالوسائل الناعمة، وليس العسكرية أي عبر الاقتصاد وتدفق الاستثمارات.

ما في ذهن الأمريكيين الآن هو تكرار النموذج الفيتنامي في إيران، وهو تحويل تدريجي لنخبة من خلفاء الخميني وخامنئي -كما فعلت مع نخبة من خلفاء «هوشي منه» عبر التجارة ونقل التصنيع للأراضي الفيتنامية- إلى شريك، بل حليف استراتيجي.

يدور في التفكير الأمريكي حلم أن هذه النخبة الإيرانية التي حلت محل قيادتها السابقة التي حصلت على هذا الاتفاق السخي، وحصلت بسببه على شعبية هائلة في الداخل هي التي قد تستطيع واشنطن استمالتها في المستقبل دون أن يستطيع أحد المزايدة عليها .

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري