سيادة الذكاء الاصطناعي تتعلق بالخيارات وليس الـمِلكية

21 يونيو 2026
21 يونيو 2026

كان القرار المفاجئ الذي اتخذته الحكومة الأمريكية في الثاني عشر من يونيو بتقييد وصول الأجانب إلى بعض النماذج الأكثر تقدما التي تنتجها شركة أنثروبيك تأكيدا إضافيا على أن الذكاء الاصطناعي أصبح الآن قضية جيوسياسية من الدرجة الأولى.

حتى وقت قريب، كانت الدول تتنافس من خلال بناء الخدمات، والبنية الأساسية، والتطبيقات على أساس أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة. أما الآن، فقد أصبح الوصول إلى الأنظمة ذاتها شاغلا استراتيجيا.

كان الافتراض السائد في السابق أن الذكاء الاصطناعي سيتبع منطق العولمة، وكانت الدول تعتمد على عدد قليل من النماذج الرائدة، التي جرى تطوير معظمها في الولايات المتحدة، بينما تتنافس في مجالات مثل الخدمات النهائية، وأشباه الموصلات، والبيانات، والتطبيقات.

كان الوصول إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما يُعتبر أمرا مفروغا منه إلى حد كبير، ولكن إذا لم يعد هذا الافتراض صامدا، فلن يكون السؤال المركزي أي نموذج هو الأفضل، بل أي نموذج يمكن الوصول إليه أصلا.

مع تحول القدرات الرائدة إلى قضية تتعلق بالأمن القومي والدبلوماسية، ستميل الحكومات إلى السعي وراء «سيادة الذكاء الاصطناعي» من خلال تطوير شركات وطنية رائدة أو بدائل محلية للخيارات الأمريكية الرائدة (ChatGPT وClaude). لكن برغم أن هذا الدافع مفهوم، فإنه يهدد بمعالجة المشكلة الخطأ.

في النهاية، يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر من أن تؤتي مثل هذه الاستراتيجية ثمارها؛ فالمزايا التكنولوجية التي تبدو حاسمة قد تتلاشى في غضون أشهر. والإنجاز الكبير اليوم يصبح المعيار الأساسي غدا، والنماذج التي تهيمن على عناوين الأخبار لبضعة أشهر سرعان ما يضاهيها المنافسون أو يتفوقون عليها. وحتى الدول الراغبة في استثمار عشرات المليارات من الدولارات في تطوير النماذج تواجه صعوبات هائلة عندما تتنافس مباشرة مع أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.

لهذا السبب، لا يصبح السؤال ما إذا كان بمقدور دولة ما بناء نموذج رائد، بل ما إذا كان بإمكانها ضمان الوصول إلى الذكاء الرائد على نحو يمكن التعويل عليه أينما ظهر.

توضح قضية أنثروبيك مؤخرا هذه النقطة؛ فإذا كان من الممكن تقييد الوصول إلى نموذج رائد في مجال الذكاء الاصطناعي بين عشية وضحاها، فإن الاعتماد على مزود واحد يصبح مخاطرة استراتيجية.

هذا لا يعني أن كل دولة ينبغي لها أن تبني نموذجها الرائد الخاص؛ بل يعني أن أي دولة لا يمكنها أن تفترض حصولها على الوصول غير المنقطع إلى نظام تابع لجهة أخرى.

من منظور أقرب حلفاء الولايات المتحدة، يجب أن تتمثل الأولوية القصوى في الحفاظ على القدرة على الوصول. فاليابان وغيرها من أعضاء مجموعة السبع (G7) لا تشترك مع الولايات المتحدة في القيم الديمقراطية فحسب، بل وأيضا في مصالح أمنية عميقة.

إن دعم مرونة الحلفاء التكنولوجية يعزز في نهاية المطاف موقف الولايات المتحدة الاستراتيجي. علاوة على ذلك، لا يزال الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا غير ناضجة وسريعة التطور، ومسارها في المستقبل غير مؤكد. وسوف يشكل التعاون المستمر بين مطوري النماذج الأمريكيين والدول الحليفة التي تساهم بالتكنولوجيا والمواهب والبنية الأساسية والأسواق ضرورة أساسية لتوسيع النظام البيئي ذاته.

لا ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى تكنولوجيا مُـكتَنَزة؛ بل يجب أن يكون تكنولوجيا يجري تطويرها بشكل مشترك.

في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الناشئ، لن تأتي الميزة التنافسية على نحو متزايد من امتلاك نموذج واحد، بل من القدرة على التقييم والاختيار والتنسيق بين نماذج عديدة. وسوف تكون المنظمات القادرة على التبديل بسلاسة بين الأنظمة المتنافسة أكثر مرونة من تلك التي تعتمد على مزود واحد وتُعرّض نفسها لعدد كبير للغاية من نقاط الضعف - بدءا من الأعطال التقنية والنزاعات التجارية وصولا إلى الضغوط الجيوسياسية. وكما تسعى الدول إلى تنويع مصادر الطاقة وسلاسل توريد أشباه الموصلات، فإنها ستعمل أيضا على تنويع مزودي الذكاء الاصطناعي.

بيد أن التنسيق وحده لا يكفي. بل يجب أن تكون الدول قادرة أيضا على تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل. تحتاج الحكومات إلى القدرة على تقييم أي النماذج قد تكون مفيدة حقا مقارنة بغيرها، وما المخاطر التي قد تشكلها أنظمة بعينها. مثل هذه الأحكام من غير الممكن تفويضها بالكامل إلى شركات أجنبية أو حكومات أجنبية. لهذا السبب تزداد أهمية معاهد سلامة الذكاء الاصطناعي ووكالات الأمن السيبراني الوطنية الـمُنشأة مؤخرا. فبدلا من الاكتفاء بمحاولة تنظيم الذكاء الاصطناعي، يتمثل دورها في توفير الخبرة الفنية المستقلة اللازمة لاتخاذ قرارات وطنية مستنيرة. أما الدول التي تعجز عن تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي بنفسها فمن المحتم أن تتشكل اختياراتها من قِـبَل آخرين.

الواقع أن الاعتماد على نماذج متعددة للذكاء الاصطناعي بدلا من مزود واحد يُـعَـد شكلا من أشكال الردع بحد ذاته، لأنه يجعل الإكراه أقل فعالية. فإذا كان بوسع الحكومات والمنظمات التبديل بسلاسة بين نماذج رائدة متعددة، فإن تقييد الوصول إلى أي منها يفقد قسما كبيرا من قيمته الاستراتيجية. وبهذا يصبح تنسيق النماذج قدرة اقتصادية وأصلا جيوسياسيا في آن.

لكن التنويع لا يكفي. لتحقيق سيادة الذكاء الاصطناعي الحقيقية، يجب أن تكون الدول قادرة على دمج البيانات الوطنية مع أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة متعددة، وتوليد المعرفة حول ما يثبت نجاحه، وترجمة تلك المعرفة في عملية صنع القرار. تصبح هذه الخطوة الأخيرة - صنع القرار السيادي - صعبة عندما تعتمد دولة ما على آخرين لتفسير أهم معلوماتها. وإذا كان تحليل الاستخبارات الدفاعية، أو البيانات الاقتصادية، أو المخاطر المتعلقة بالصحة العامة، أو البنية الأساسية الـحَرِجة يعتمد في نهاية المطاف على قوى خارجية، فإن الاستقلالية السياسية تصبح مقيدة.

تمتد العواقب إلى ما هو أبعد كثيرا من سياسة الذكاء الاصطناعي. فما أن يصبح الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية قضية جيوسياسية، يصبح التحدي الذي يواجه القوى المتوسطة واضحا. بدلا من محاولة محاكاة قدرات الولايات المتحدة أو الصين، يجب على هذه الدول أن تضمن امتلاكها لحيز يسمح لها بالمناورة الاستراتيجية مع البقاء مندمجة بدرجة عميقة في الاقتصاد العالمي. وهذا تحدٍ مألوف: فطوال التاريخ الحديث، ازدهرت القوى المتوسطة الناجحة ليس من خلال عزل نفسها عن القوى الأكبر، بل من خلال صيانة تحالفات قوية مع الحفاظ على القدرة على العمل المستقل.

سوف تدور المنافسة الجيوسياسية الناشئة حول من يتولى تصميم، وتمويل، وتشغيل، وتحسين البنية الأساسية الـحَرِجة لعصر الذكاء الاصطناعي: مراكز البيانات، وشبكات الطاقة، وشبكات الاتصالات، وأنظمة اللوجستيات، والموانئ، والبنية الأساسية العامة الرقمية. وسوف تصبح قدرات الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الأنظمة التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة.

في هذه البيئة، يجب أن يتطور أيضا معنى «الذكاء الاصطناعي الآمن الجدير بالثقة». تركز المناقشات الدائرة حاليا حول سلامة الذكاء الاصطناعي غالبا على مسائل تقنية تتعلق بمواءمة النماذج، والشفافية، والتحيز، والمعلومات المضللة، أو النتائج الضارة. هذه مخاوف مُـعتَبَرة، ولكن من منظور الحكومات، والشركات، وجماهير الناس في عموم الأمر، تستلزم الثقة شيئا أوسع نطاقا. إن نظام الذكاء الاصطناعي البيئي الجدير بالثقة هو ذلك الذي يتمكن فيه المستخدمون من الاعتماد على الوصول المستمر، والاحتفاظ بسيطرة حقيقية على بياناتهم، وتجنب الوقوع في براثن الاعتماد على قرارات سياسية متخذة في أماكن أخرى. إنه نظام بيئي لا يُشترط فيه الوصول إلى التوافق السياسي، ولا تستلزم المشاركة فيه التنازل عن السيادة الرقمية. لا تكمن الثقة في نموذج واحد بعينه، بل في المؤسسات، وترتيبات الحوكمة، والعلاقات الدولية المحيطة به.

مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية أساسية حَـرِجة، قد تصبح الجدارة بالثقة، والمرونة، والحياد السياسي على ذات القدر من أهمية أداء النماذج الخام. فالنموذج الأكثر قوة على الإطلاق ليس بالضرورة الأكثر قيمة إذا كان من الممكن سحب القدرة على الوصول إليه على نحو مفاجئ، أو إذا كان الاعتماد عليه يقيد الاختيارات الاستراتيجية.

لا تكمن سيادة الذكاء الاصطناعي في بناء نسخة وطنية من ChatGPT، بل في الحفاظ على حرية التصرف في عالم حيث يتنازع الجميع على الوصول إلى الذكاء ذاته؛ الأمر يتعلق بالقدرة على الاختيار، وليس الـمِلكية.

رين إيتو دبلوماسي ياباني سابق المؤسس المشارك لشركة ساكانا للذكاء الاصطناعي.

خدمة بروجيكت سنديكيت