الاحتفاء بكوتا المرأة انتصار للمجتمع
21 يونيو 2026
21 يونيو 2026
لعقود مضت كنت وكثيرات غيري نتحسر على ضعف حضور المرأة العمانية في المجالس البرلمانية، ومع تمكين جلالته للكفاءات النسائية العمانية عبر التعيين في مجلس الدولة تأتي فرحة اليوم ابتهاجا بفكرة الكوتا النسائية برلمانيا.
كنت قد عبرت عن دعمي تلك الفكرة شفهيا وكتابيا عبر مقابلات ومقابلات شتى لأجدني اليوم أحتفي وعمان بأكملها برفد التوجيهات السامية لجلالته تلك الفكرة إيمانا بتكاملية الأدوار وتفعيلا لحضور المرأة في التمثيل البرلماني.
لا بد من احتفاء واجب بما شهدته سلطنة عمان من تطور نوعي في مسار تمكين المرأة سياسيا عبر عقود من الثقة التي تأسست عليها التوجيهات السامية من لدن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - بتخصيص 11 مقعدًا إضافيًا للمرأة في مجلس الشورى ممثلة بمقعد واحد لكل محافظة مع استمرار حق المرأة في المنافسة الانتخابية العامة.
نظام جديد يجمع بين الكوتا والتنافس الحر، وهو نموذج متطور مقارنة بالأنظمة التقليدية الصارمة، حتى في نصفه المخصص للكوتا؛ فهي كوتا نوعية تتكئ على كفاءة المرأة عبر الترشيح لا عبر التعيين.
خطوة داعمة حازمة وتحول إيجابي في بنية النظام التمثيلي؛ إذ ينتقل تمثيل المرأة من الحضور المحدود إلى التمثيل المؤسسي المعتمد انعكاسا لإيمان جلالته بضرورة تفعيل دور المرأة العمانية في صنع القرار، ودعما لتوجه استراتيجيٍ مستقبلي يضمن تعزيز المشاركة السياسية للمرأة مشرعا الطريق لتعزيز قد يصل بتمثيل المرأة إلى صوت عن كل ولاية مستقبلا.
نظام الكوتا يعتمد تخصيص نسبة أو عدد محدد من المقاعد للنساء في الهيئات التشريعية، ضمانا لوصولهن إلى مواقع صنع القرار؛ وهي آلية تهدف إلى معالجة الاختلال في التمثيل، تعزيزا للعدالة والمساواة وتمكينا للفئات المهمشة سياسيا متخذة أشكالا ثلاثة: تشريعية عبر التعيين في مقاعد معينة، أو ترشيحية بفرض نسبة مرشحات، أو الكوتا الطوعية المنطلقة من المبادرات الحزبية.
وإن كان الحديث حول جدوى تخصيص مقاعد للمرأة في مجلس الشورى اليوم، فإن هذا التخصيص المحتفى به تأكيد للآثار السياسية والاجتماعية لتوجيهات جلالته ضمن هذا السياق؛ فالأثر السياسي متمثل يقينا في التحول الجوهري على مستوى العمل السياسي رفعا للتمثيل العددي لضمان الحد الأدنى من مشاركة المرأة (11 مقعدا على الأقل)، ثم التطور التدريجي التصاعدي للانتقال من التمثيل الرمزي إلى المؤسسي الدائم، إضافة إلى تحسين جودة التشريع مع تأكيد حضور المرأة تعزيزا لقضايا التعليم والصحة والأسرة والطفل إدماجا للنوع الاجتماعي في وضع ومناقشة السياسات العامة المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والتنموية، ولا ننسى تهيئة المجتمع لتعزيز الشرعية الديمقراطية، وهو أهم تجليات الأثر الاجتماعي متجاوزا الفعل السياسي إلى تغيير الثقافة المجتمعية كسرا للصورة النمطية حول فعالية دور المرأة برلمانيا، وتعزيزا لقبول تجلياتها القيادية، كل ذلك يتشكل خطوة رائدة لتمكين المرأة اقتصاديا بزيادة فرص المشاركة في مركز صنع القرار، إضافة إلى مضاعفة نماذج الشخصيات النسائية القيادية الملهمة.
الكوتا الحالية على مستوى النظام الانتخابي تتميز بالجمع بين كوتا المقاعد المخصصة والتنافس الحر، لتوفر مرونة تكاملية لا تقصي الكفاءة وتضاعف فرص المشاركة.
ومع تحقق مبدأ الشرعية الديمقراطية عبر الانتخاب فلا بد من الإشادة بالتنوع الجغرافي ممثلا كل المحافظات تحريا لمشاركة عادلة من الجميع، كما أنها مرحلة انتقالية في نظام يتسم بالتدرج والاعتدال؛ بحيث لا يرفع النسبة مباشرة رفعا حادا صادما، لكنها أرضية مُؤسِسة لتمثيل أكبر مستقبلا، قد يتخذ شكل صوت نسائي عن كل ولاية لها صوتان حفاظا على التنوع الجغرافي المناطقي سعيا لصنع تأثير تشريعي لن يتأتى دون وصول مشاركة المرأة إلى نسبة 30% على أقل تقدير؛ وهو هدف يتوافق مع مستهدفات رؤية عمان التي تتطلب مساهمة كل الفئات وخاصة المرأة، عنصرا فاعلا مؤثرا، آخذين بالاعتبار كل تحديات هذه المرحلة الانتقالية المحتملة من مقاومة مجتمعية ثقافية، أو النظر خارجيا إلى هذا التمثيل أنه تمثيل شكلي لم يصل بعد مبلغ التأثير التشريعي السياسي.
لكن هذه التحديات لا تعطل نظام تمثيل المرأة بل تقدم مؤشرات واقعية إيجابية وصولا لمرحلة التوازن المبتغاة.
ختاما: يمثل تمكين حضور المرأة سياسيا في عمان نظاما مختلفا متفردا امتد تدريجيا عبر مراحل متتابعة تبدأ بالتثبيت المؤسسي، يتبعه التوسع الكمي شيئا فشيئا وصولا إلى التوازن المبتغى كمًّا نوعيّا وأثرا مستداما، غير أن مدى فعالية وجدوى هذا النظام المتفرد في مرونته وحفاظه على مساري التنافس والعدالة يبقى رهين قدرته على الاندماج ضمن سياسات شاملة لتمكين المرأة قياديا في كل المجالات، لتتحول الكوتا من مجرد آلية برلمانية لضمان الحضور العددي إلى أداة حقيقية لإحداث تأثير نوعي مستدام في منظومة التنمية السياسة والمجتمعية.
الكوتا العمانية اليوم ليست بديلا عن الكفاءة كما يعتقد البعض، بل هي أداة ديمقراطية مشروعة لتصحيح الاختلال النوعي قبل العددي، وجسر نحو ديمقراطية أكثر توازنًا، رهانًا على كفاءة المرأة العمانية وقدرتها على المشاركة في صنع القرار وصنع الأثر.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
