إلى ترامب بشأن فنزويلا: من يكسر شيئا يدفع ثمنه

04 يناير 2026
04 يناير 2026

ترجمة: أحمد شافعي -

لا يزال من المبكر أن نقدم إجابات واضحة عما سيحدث في فنزويلا غداة إقالة إدارة ترامب للرئيس نيكولاس مادورو لمحاكمته في الولايات المتحدة. أما الأسئلة فلدي منها الكثير بناء على تدخلات مماثلة من الولايات المتحدة في مناطق أخرى .

في التاسع عشر من مارس سنة 2011، قام تحالف يقوده الناتو بتدخل عسكري -مقصور على القوة الجوية- في الحرب الأهلية الليبية التي أدت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بحكم العقيد معمر القذافي ثم مصرعه في أكتوبر على أيدي قوات المعارضة. وفي التاسع والعشرين من مارس سنة 2011، كتبت مقالة انتهت بقولي: «يا ربنا العزيز، اجعل الحظ حليفا للرئيس أوباما». كان لب المقالة أن باراك أوباما سهَّل لتوه الإطاحة بقائد ليبيا، ولم تكن لدينا قوات على الأرض لتصوغ الأحداث بعد ذلك.

كتبت آنذاك أنني «لا أعرف ليبيا، لكن غريزتي تنبئني بأن النتيجة اللائقة فيها سوف تقتضي وجود قوات على الأرض، سواء في هيئة مساعدة عسكرية للثوار كي يطيحوا بالقذافي وذلك ما نرغب فيه، أو على هيئة قوات حفظ سلام في مرحلة ما بعد القذافي ومحكمين بين القبائل والفصائل للمساعدة في أي انتقال إلى الديمقراطية. ولا يمكن أن تكون هذا القوات قوات أمريكية. فنحن بالقطع لا نحتمل ذلك».

فمن يكون المحكِّم في المرحلة التالية؟

تبين أنه ما من محكِّمين. فمن خلال الاقتصار على توفير الغطاء الجوي للمتمردين، ترك تدخلنا الوضع على الأرض للقوات والقبائل والميلشيات المحلية المتنافسة، التي كانت منقسمة آنذاك ولا تزال منقسمة حتى اليوم. وبعد قرابة خمسة عشر عاما، لا تزال ليبيا في فوضى، إذ تتنافس حكومتان على السيطرة، ولا تزال منصة خطرة للاجئين والمهاجرين من إفريقيا عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.

ولست بالقطع أناصر الاستيلاء العسكري من الولايات المتحدة على فنزويلا، لكنني بالقطع أتساءل كيف يكون بوسعنا أن نصوغ الأحداث والاتجاهات هناك بما يدعم مصالحنا ومصالح الشعب الفنزويلي دونما وجود عسكري على الأرض.

سياسة الخطف والجري سياة عظيمة، لمن يتبعها عند تناول وجبة سريعة في الغداء، أما بوصفها استراتيجية جيوسياسية فهي قاصرة طبعا.

في مؤتمر صحفي يوم السبت، بدا أن الرئيس ترامب يدرك ذلك، ولا يتحرج منه. إذ قال «إننا سوف ندير هذا البلد إلى أن يحين الوقت الذي نستطيع فيه أن نحقق انتقالا آمنا لائقا حكيما» ومضى إلى أن قال: «لا يمكننا أن نجازف ونترك لغيرنا تولي زمام الأمور».

وأضاف: إن الولايات المتحدة «مستعدة لترتيب هجمة ثانية أكبر حجما إذا ما لزم الأمر».

بل لقد أضاف قوله: «ونحن لا نخاف وضع قوات على الأرض إذا ما لزم الأمر».

عجيب أن ترامب لم يتوان عن الإشارة إلى أننا ننفذ أكبر مشروع بناء أمة شاركت فيه أمريكا منذ العراق وأفغانستان. فهل لديه أدنى معرفة بمدى صعوبة هذا المشروع وطول أمده؟

ليس واضحا ببساطة كيف ستقوم إدارة أمريكية بتسيير أمور فنزويلا. هل لديها ترتيب مع فلول نظام مادوروا لكي يتنحوا جانبا؟ هل يخطط ترامب لتوجيه إنذار نهائي لفريق مادورو لمغادرة السلطة ثم تنظم الولايات المتحدة انتخابات؟ إنما الواضح هو أن إدارة الولايات المتحدة لفنزويلا ستكون مهمة ضخمة، وسيكون جزء كبير من قاعدة ترامب الانعزالية المؤمنة بحركة (ماجا) عازفا على الأرجح عن القبول بتلك المهمة.

قد أضيف أيضا أن الاستماع لترامب وهو يغالي كثيرا في الخطر الذي كان يمثله مادورو وفنزويلا على الولايات المتحدة قد أثار ذكريات مزعجة للغاية لمغالاة فريق جورج دبليو بوش بشأن خطر أسلحة الدمار الشامل في العراق لتبرير غزوه. فالمرء حين لا يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية الأمينة يقع في متاعب.

سوف يحتفل الكثير من شعب فنزويلا بانتهاء مادورو، لكن له حلفاء مسلحين مهمين، لعل خير وصف لهم هو أنهم عصابة من المجرمين وتجار المخدرات، وهؤلاء مسيطرون على فنزويلا بالقمع العنيف والسطو على الانتخابات. فكيف سيكون توازن القوى بين معسكري الموالين لمادورو والمعارضين له وأي مستوى من الفوضى سوف ينشأ عن ذلك؟

ثمة مثل آخر مشابه في الشرق الأوسط: إن بلادا معينة حينما تنتزع قيادتها تنفجر داخليا، وتسقط من تلقاء نفسها، وذلك كان حال اليمن على سبيل المثال؛ لأنها كانت محاطة بجيران أقوياء وبالمحيط، ولكن بلادا أخرى من قبيل سوريا بعد سقوط بشار الأسد، انفجرت إلى الخارج، فكان لانفجارها إشعاع ونتج عنه لاجئون ومخدرات واضطراب في البلاد المحيطة.

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين، ثمة قرابة ثمانية مليون فنزويلي، بين لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين اقتصاديين ممن فروا من بلدهم، بما يجعل ذلك أحد أكبر موجات النزوح في العالم، والأغلبية الساحقة من هؤلاء تتجه إلى بلاد أخرى في أمريكا اللاتينية والكاريبي بما ينتج عنه تحدٍّ إنساني للمنطقة برمتها.

يبلغ تعداد شعب فنزويلا قرابة ثمانية وعشرين مليون نسمة. فهل تؤدي الإطاحة بمادورو والصدامات بين أنصاره وخصومه إلى مفاقمة مشكلكة اللائجين، وإلى مزيد من الاضطراب في أمريكا اللاتينية؟

وسؤال آخر: ما رأي بقية قادة الدول الأساسية الآن، أعني شي جينبنج في الصين وفلاديمير بوتين في روسيا وفلودومير زيلينسكي في أوكرانيا ولاي شينج تي في تايوان؟

لقد اتهمت أمريكا رئيس فنزويلا بالاتجار في المخدرات، حسبما قالت وزارة العدل يوم السبت، ثم مضت فاختطفته من عاصمته. حينما أطاح الناتو بالقذافي في ليبيا، حصل على قرار من الأمم المتحدة أولا. قد ترى الصين في هذا العمل الأمريكي محض سابقة إضافية تبرر إطاحتها بحكم تايوان في الوقت الذي ترتئيه. وأغلب الظن أن الصين سوف تحتفي بحقيقة أن الولايات المتحدة سوف تزداد انشغالا عن ذي قبل بمجالها القريب فلا يتاح لها وقت كبير أو طاقة لمحاصرة نفوذ الصين الإقليمي.

وثمة عامل آخر يجب أن يبقى في الذهن وهو أن أغلب نفط فنزويلا يصدَّر إلى الصين.

أما عن بوتين فمن المؤكد أنه يفكر أن إدارة ترامب إذا ما تورطت في إدارة فنزويلا ما بعد مادورو، فسيكون لديها قدر أقل من الوقت والطاقة والموارد لتكرسه لأوكرانيا.

ومن المؤكد أن على زيلينسكي أن يقلق من الأمر نفسه اليوم.

يمثل فريق الأمن الوطني الخاص بالرئيس ترامب بالفعل هجينا غريبا من غير المحترفين - من قبيل ستيف ويتكوف المتخصص أصلا في العقارات - ومعدومي الخبرة من أمثال وزير الدفاع بيت هيجسيث، وماركو روبيو الذي يعمل حاليا وزيرا للخارجية ومستشارا للأمن الوطني.

وفي ظل أن عمليتي السلام في أوكرانيا وغزة غير مكتملتين بعد إلى حد كبير، فكم كرة يمكن لهذا الفريق أن يلعب بها بفعالية في آن واحد، مع اتباعه في العمل نهجا ارتجاليا يمكن وصفه بأنه نهج (دعونا ننتظر إلى أن نرى تغريدات الرئيس ترامب)؟

أخيرا، في الثاني عشر من فبراير سنة 2003، قبل قرابة شهر من غزو إدارة بوش للعراق، كتبت مقالة قلت فيها: «أول قاعدة لأي غزو للعراق هي قاعة متجر الفخار: من يكسر شيئا يدفع ثمنه. فإن كسرنا العراق علينا أن ندفع الثمن، ونتحمل مسئولية إعادة بناء بلد ذي ثلاثة وعشرين مليون نسمة يشترك مع يوغسلافيا في سمات أكثر من التي يشترك فيها مع أي بلد عربي». وقد قال وزير الخارجية كولين باول للاري كينح في سي إن إن ثم لبوب وودوارد إنه تبنى قاعدتي في عرض خيارات حرب العراق على الرئيس جورج دبليو بوش.

من الصعب ألا نطرح السؤال نفسه اليوم. لقد كسرت إدارة ترامب قيادة فنزويلا، وترامب الآن مسئول عما سيحدث هناك. فإن أدى إلى حكم أفضل لشعب فنزويلا فخير. وسيذكر التاريخ لترامب أنه الذي بدأ ذلك.

أما إن أدى إلى تحول فنزويلا إلى مرجل للاضطراب، فسيكون على ترامب - الذي يحب نسبة الأمور إليه ـ أن ينسب إلى اسمه اضطرابا يطول مداه. ومثلما سبق أن قلت عن أوباما في ليبيا، من أجل الجميع يا رب، اجعل الحظ حليفا للرئيس. ويعجبني قول كويكو تورو مؤسس كراكاس كرونيكلز - الذي هرب مرغما من الطغيان في فنزويلا - في مقالة يوم السبت: «سوف يحتفل دونالد ترامب وماركو روبيو اليوم بنصر مستحق... لقد سدّدا ضربة هائلة لنظام حكم آثم. لكنهما لم يطيحا به. فالتشافيزية - نسبة إلى هوجو تشافيز- لا تزال مسيطرة إلى حد بعيد على فنزويلا».

وأضاف: إن «أبناء فنزويلا في شتى أرجاء العالم يحتفلون بسقوط الرئيس. لكن إذا ما نجا نظام الحكم من هذه العاصفة، فلن يطول بنا الاحتفال».

توماس فريدمان كاتب مقال رأي في نيويورك تايمز منذ عام 1981.

«خدمة نيويورك تايمز»