الخطر الحقيقي الذي يهدد وجود أوروبا

04 يناير 2026
04 يناير 2026

تُـقَدِّم استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي ابتدعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تقييما مضللا لأوروبا التي طالما اعتُبرت حليف أمريكا الأكثر جدارة بالثقة. تحذر الاستراتيجية من أن الهجرة غير المقيدة وغيرها من السياسات التي يسخر منها مسؤولو الإدارة مثل حركة «الوعي» (woke) قد تتسبب في «محو الحضارة» في غضون بضعة عقود من الزمن.

تستند هذه الحجة إلى قراءة خاطئة جوهريا للمأزق الحالي الذي تواجهه أوروبا؛ ففي حين يواجه الاتحاد الأوروبي بالفعل خطرا يهدد وجوده فإن هذا التهديد لا علاقة له بالهجرة أو السياسات الثقافية. الواقع أن نسبة المولودين في الخارج من المقيمين في الولايات المتحدة أعلى قليلا من نظيرتها في أوروبا. يكمن التهديد الحقيقي الذي يواجه أوروبا في تخلفها الاقتصادي والتكنولوجي. بين عامي 2008 و2023 سجل الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة ارتفاعا بلغ 87% مقارنة بنحو 13.5% فقط في الاتحاد الأوروبي.

خلال الفترة ذاتها انخفض نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي من 76.5% من المستوى في الولايات المتحدة إلى 50%. وحتى الولاية الأكثر فقرا في الولايات المتحدة ولاية ميسيسيبي نصيب الفرد في دخلها أعلى من نظيره في عدد كبير من الاقتصادات الأوروبية الكبرى بما في ذلك فرنسا، وإيطاليا، والمتوسط في عموم الاتحاد الأوروبي. هذه الفجوة الاقتصادية المتزايدة الاتساع لا يمكن تفسيرها بالعوامل الديموغرافية. بل إنها تعكس نموا أقوى في الإنتاجية في الولايات المتحدة، ويرجع هذا إلى حد كبير إلى الإبداع التكنولوجي وإجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج الأعلى. اليوم نجد أن ما يقرب من نصف أكبر خمسين شركة تكنولوجية في العالم هي شركات أمريكية في حين أن أربع فقط شركات أوروبية.

على مدار العقود الخمسة الأخيرة نمت 241 شركة أمريكية من شركات بادئة إلى شركات قيمتها السوقية 10 مليارات دولار على الأقل مقارنة بـ 14 شركة فقط في أوروبا. تطرح هذه الاتجاهات سؤالا مهما: أي البلدان ستقود صناعات المستقبل، وأين مكان أوروبا في هذه القيادة؟ يمتد السباق على الريادة التكنولوجية الآن إلى مجموعة واسعة من المجالات لا سيما الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وتصميم وإنتاج أشباه الموصلات، والروبوتات، والحوسبة الكمومية، والطاقة الاندماجية، والتكنولوجيا المالية، والتكنولوجيات الدفاعية. تدخل أوروبا هذا السباق في وضع غير مواتٍ بشكل واضح.

ويظل الجدال مفتوحا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة أو الصين تقود صناعات المستقبل حاليا، لكن معظم المراقبين يتفقون على أن السباق يدور في الأساس بين متسابقين اثنين؛ حيث تظل أمريكا متقدمة في عدة مجالات رئيسية. علاوة على ذلك يتركز الإبداع في دول مثل اليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية، والهند. في المقابل؛ تقتصر الأنشطة الإبداعية في أوروبا إلى حد كبير على المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وسويسرا اثنان منها ليسا حتى من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

ليس من المستغرب إذن أن تهيمن الولايات المتحدة والصين على التصنيفات التكنولوجية العالمية بينما تجد أوروبا نفسها بعيدة عن القمة. والتوقعات ليست مطمئنة على الإطلاق، خاصة وأن الموجة التالية من الإبداع من المتوقع على نطاق واسع أن تكون أشد إرباكا من أي شيء شهدناه خلال نصف القرن الأخير.

الواقع أن الفجوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة وأوروبا من الممكن أن تُعزى إلى عدة عوامل. أولا: تتمتع الولايات المتحدة بنظام بيئي أعمق وأكثر ديناميكية لتمويل الشركات البادئة في حين لا تزال أوروبا تفتقر إلى اتحاد حقيقي لأسواق رأس المال، وهذا يحد من حجم وسرعة نمو الشركات الجديدة.

ثانيا: تتسبب الضوابط التنظيمية المفرطة والمجزأة في إعاقة أوروبا. في الولايات المتحدة تستطيع أي شركة بادئة إطلاق منتج في إطار تنظيمي واحد والوصول فورا إلى سوق تضم أكثر من 330 مليون مستهلك. يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي حوالي 450 مليون نسمة، لكنه يظل مُـقَسَّما بين 27 نظاما وطنيا يحكم الضوابط التنظيمية. يُظهِر تحليل أجراه صندوق النقد الدولي أن حواجز السوق الداخلية في الاتحاد الأوروبي تعمل كرسوم جمركية تبلغ نحو 44% على السلع و110% على الخدمات، وهذا أعلى كثيرا من مستويات الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على أغلب الواردات.

ثالثا: تختلف المواقف الثقافية فيما يرتبط بخوض المجازفات بشكل حاد. حتى وقت قريب نسبيا كان رائد الأعمال الفاشل في بعض دول الاتحاد الأوروبي (مثل إيطاليا) يواجه عقوبات جنائية بينما في الولايات المتحدة يُنظر إلى مؤسس شركة تكنولوجية لم يفشل قط غالبا على أنه يُحجِم عن خوض المجازفات بدرجة كبيرة.

رابعا: تستفيد الولايات المتحدة من مجمع أكاديمي عسكري صناعي شديد التكامل في حين تسبب نقص الاستثمار المزمن في الدفاع في أوروبا في إضعاف قدرتها على الإبداع. تنفق الدول الرائدة في مجال التكنولوجيا مثل الولايات المتحدة، والصين، ومؤخرا أوكرانيا مبالغ طائلة على الدفاع، وغالبا ما تنتج الأبحاث العسكرية تقنيات لها تطبيقات مدنية. على الرغم من هذا يواصل كثيرون من القادة السياسيين الأوروبيين اعتبار زيادة الإنفاق الدفاعي على أنه مقايضة بين الأمن والرفاهة الاجتماعية. في حقيقة الأمر كانت الاستفادة المجانية من الإنفاق الدفاعي الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سببا في الحد من نوع الإبداع الذي كان ليولد مزيدا من كليهما من خلال زيادة الإنتاجية. من عجيب المفارقات أن الحفاظ على النموذج الاجتماعي الأوروبي يتطلب استثمارات أكبر في الدفاع بدءا من تلبية هدف الإنفاق الجديد في حلف شمال الأطلسي (الناتو) 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. إذا سمحت أوروبا بتزايد تأخرها التكنولوجي خلال العقود القادمة، فإنها تخاطر بركود مطول وتدهور اقتصادي متواصل مقارنة بالولايات المتحدة والصين. لكن الأمر لا يخلو من أسباب التفاؤل الحذر. فمع تزايد الوعي بأن أوروبا تواجه تحديا يهدد وجودها بدأ صُـنّاع السياسات في طرح مقترحات إصلاحية جادة. وأبرز الأمثلة على ذلك التقريران الرئيسيان الصادران عام 2024 حول القدرة التنافسية في الاتحاد الأوروبي، والسوق الموحدة من إعداد رئيسي الوزراء الإيطاليين السابقين ماريو دراجي وإنريكو ليتا على التوالي. تحتفظ أوروبا أيضا بمواطن قوة كبيرة -بما في ذلك رأس المال البشري العالي الجودة- وأنظمة التعليم الممتازة، والمؤسسات البحثية العالمية المستوى.

بالاستعانة بالحوافز والإصلاحات التنظيمية المناسبة يصبح من الممكن أن تدعم هذه الأصول مستويات أعلى كثيرا من الإبداع التجاري. ومع توفر بيئة أفضل لريادة الأعمال من الممكن أن يساعد نصيب الفرد المرتفع في الدخل في أوروبا، والسوق الداخلية الضخمة، ومعدلات الادخار المرتفعة في إطلاق موجة من الاستثمارات. من الأهمية بمكان هنا أن ندرك أن أوروبا حتى لو لم تتصدر مجال التكنولوجيات المتطورة فإنها تظل قادرة على تعزيز الإنتاجية بدرجة كبيرة من خلال تبني وتكييف الإبداعات الأمريكية والصينية. كثير من هذه التكنولوجيات ذات أغراض عامة بطبيعتها، وتعود بالفائدة على كل من المتبنين والرواد. كل هذا يضع أوروبا عند نقطة تحول. كما لاحظ إرنست همنجواي في مقولة شهيرة؛ فإن «الإفلاس يحدث تدريجيا، ثم فجأة». حتى الآن كان تراجع أوروبا التكنولوجي تدريجيا. ولكن إذا فشلت في مواجهة نقاط ضعفها البنيوية فإن التآكل البطيء الحالي قد يُفسِح المجال لخسارة مفاجئة ولا رجعة فيها لأهميتها الاقتصادية.

نوريل روبيني كبير المستشارين في شركة هدسون باي كابيتال مانجمنت إل بي، وأستاذ فخري للاقتصاد في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، ومؤلف كتاب «التهديدات الكبرى: عشرة اتجاهات خطيرة تُهدد مستقبلنا، وكيفية النجاة منها».