حلف «أبراهام» في مواجهة أمن 7 دول عربية

04 يناير 2026
04 يناير 2026

كما نشكر أحيانا المتطرفين من السياسيين مثل هتلر ونتنياهو وبن غفير عندما يفصحون عن نواياهم العدوانية بوضوح تام، فيوقظون النائمين في العسل الذين صدقوا أن الذئب والحمل يمكن أن يتعايشا؛ يجب أيضا أن نشكر غرور القوة التي تصاب به دولة أو مجموعة دول متحالفة، فيكشفون ستر مخططاتهم المستقبلية للهيمنة على جيرانهم أو على منطقة جيوسياسية، وتغيير خرائطها وحدود بلدانها، وتفكيك وإعادة تركيب الدول والنظم السياسية على مقاس هذه الهيمنة، وبما يضمن الخضوع التام دون قيد ولا شرط.

هذا ما فعله غرور ونزق فائض القوة الذي تراكم بدءا من سبتمبر ٢٠٢٤ لحلف الاتفاقات (الإبراهيمية) بما تلاه من نكسات مني بها معسكر المقاومة، وتراجع فيها الدور الإيراني، وشهد استمرار العرب مرتعبين من واشنطن ومنقسمين، وبالتالي عاجزين عن ملء الفراغ الذي تركته طهران ومحور المقاومة في الإقليم.

غرور القوة كما تشهد تجارب التاريخ تجعل القوة المتغلبة تتسم بالاستهتار بخصومها، والتعجل غير المحسوب في اندفاعها سواء نحو تثبيت مكاسبها أو توسيع نطاق هذه المكاسب جغرافيا وسياسيا. في أوقات متقاربة تقل عن أسابيع حدثت ثلاث نقلات استراتيجية شديدة الخطورة عبرت عن غرور القوة الإبراهيمي، واتخذت نمطا واحدا هو تشجيع حركة متمردة على الدولة أو إقليم انفصالي يريد الانسلاخ عنها. هذه النقلات بدون ترتيب زمني هي تصاعد الدعم الإبراهيمي إسرائيل والدول العربية الموقعة على اتفاقات (أبراهام) + إثيوبيا لمليشيا الدعم السريع، وتحقيقها مكاسب عسكرية ضد الجيش السوداني وصلت لدرجة تقدم هذه القوات الآن في اتجاه ميناء بورت سودان الاستراتيجي على البحر الأحمر. بعد أن أصبح غرب السودان كله تقريبا تحت هيمنتها مؤذنا بانفصال جزء آخر من السودان الذي سبق أن انفصل جنوبه منذ سنوات. في القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر أيضا اعترفت إسرائيل في ٢٦ ديسمبر الماضي بما يسمى دولة (صومالي لاند) التي تمسك بخناق جنوب البحر الأحمر، وتسيطر على جزء حاكم من خليج عدن مدخل والطريق الرئيسي لقناة السويس. هذه الدولة التي لم يعترف بها أحد في العالم أصبحت بعد الاعتراف الإسرائيلي تهديدا وجوديا لوحدة الصومال كبلد عربي وإفريقي.

في اليمن شهد نفس الشهر ديسمبر بدعم من نفس المحور (الإبراهيمي) تمردا لقوات المجلس الانتقالي سيطرت بمقتضاه على نحو نصف مساحة اليمن، أي على محافظتي حضرموت والمهرة اللتين تمثلان عمقا استراتيجيا؛ وبالتالي تحديا مباشرا للأمن القومي البري لنحو١٦٠٠ كلم من الحدود لكل من السعودية وسلطنة عمان. وشفع زعيم التحرك العسكري ذلك بالدعوة لانفصال الجنوب اليمني عن الدولة اليمنية بعد فترة انتقالية واستفتاء. لأول مرة يندلع صراع مسلح بين قوات التحالف العربي بعضها البعض، وبين قوات الحكومة الشرعية اليمنية من جهة وقوات المجلس الانتقالي من الجهة المقابلة.

هذه التحركات الثلاث شديدة الاندفاع والرعونة خلقت تهديدا مباشرا للأمن الوطني المباشر لسبع دول عربية دفعة واحدة: السعودية وسلطنة عمان واليمن والسودان ومصر الصومال وجيبوتي. وفي تطور بالغ الدلالة الاستراتيجية كشفت هذه التحركات عن أن منطقة بحر العرب ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي ووادي النيل قابلة للتشكل كوحدة أو منطقة جيوسياسية واحدة تتهددها نفس الأخطار ومن نفس المعسكر المتحالف. في المواقع الثلاثة تعهدت الأطراف المتمردة على الدولة بأن تكون مكافأة الانفصال هو الانضمام لتحالف الدول الموقعة على الاتفاقيات «الإبراهيمية».

هذا الاندفاع الإبراهيمي كشف عن مجموعة من الحقائق الاستراتيجية:

- التحالف الإبراهيمي بالنسبة لأعضائه العرب هو التحالف الاستراتيجي الأعلى الذي يجب الروابط والتحالفات الأخرى لا سيما الروابط العربية أو الدينية أو القارية، وأن نطاقه الجيوسياسي الفعلي وليس الرسمي يمتد من شبه القارة الهندية حتى القرن الإفريقي.

معنى ذلك هو أن النظرة العربية السائدة عن طبيعة هذا التحالف كانت مضللة وخاطئة بشكل خطير. كانت الخديعة أنهم حصروا هذه الاتفاقات في إنها اقتراب جديد من نخب حكم عربية تريد أن تخرج القضية الفلسطينية من طريق العلاقة مع إسرائيل؛ كي تستفيد من التكنولوجيا الإسرائيلية العسكرية والمدنية، وتسهل لها رضا أمريكيا لدعم طموحها التقني خاصة في الذكاء الاصطناعي، والحصول على أسلحة أمريكية متطورة. لكن الحقيقة أن ما خلقته واشنطن من هذه الاتفاقيات هو إقامة حلف جيوسياسي عسكري وأمني بات هو أداتها الأساسية؛ لتعزيز هيمنتها على المنطقة، وإبعاد الصينيين والروس تماما عنها. باختصار فإن اتفاقات (أبراهام) في التفكير الأمريكي/الإسرائيلي ليست اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة لمنع الحروب ولحل قضايا حدود، بل هي حلف إسرائيلي عربي تقوده أمريكا لاعادة تشكيل المنطقة بما يسمح لإسرائيل بالهيمنة عليها عبر التفتيت واصطناع الدويلات المذهبية والإثنية. وهذا التحالف له نطاق جيوسياسي أوسع من الموقعين الرسميين على اتفاقاته؛ فيشمل إثيوبيا، ويحاول اجتذاب الهند.

- تكفل فائض القوة (الإبراهيمي) بكشف آخر هو حقيقة الصراع في المنطقة ليس أبدا الصراع الذي نجحت أمريكا في إقناع معظم الحكام العرب في العقود الأربعة السابقة من أن العدو هو إيران وليس إسرائيل، وأن الصراع هو بين العرب المعتدلين حلفاء واشنطن من جهة وإيران ومحور المقاومة من ناحية أخرى. إنما هو بين المحور الإبراهيمي والأمن الجماعي العربي والإسلامي خاصة أمن الدول العربية السبع المشار إليها بالإضافة لتركيا صاحبة الاستثمار الاقتصادي والعسكري الكثيف في الصومال في العقدين الأخيرين.

- الحقيقة الثالثة أن الحفاظ على الدولة الوطنية العربية من مخطط التفتيت الإبراهيمي خلق نطاقا جيوسياسيا تلتقي مصالحه الأمنية المباشرة حدودا ووجودا وتستدعي درجة عالية وعاجلة من التنسيق السياسي. ويكشف البيان المشترك (لواحد وعشرين دولة عربية وغير عربية-إفريقية وآسيوية ضد الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند) وعيا أوليا بضرورة قيام هذا النطاق في مواجهة التحالف (الإبراهيمي)-الإثيوبي. لكن التوقف عند البيان سيكون كارثة استراتيجية خاصة وأن عددا من دول هذا النطاق مرتبط أيديولوجيا بالولايات المتحدة، وقد تتقدم لتشتيت وعيه الراهن بالخطر، وتقلل حماسه لوقف المخطط (الإبراهيمي).

الحقيقة الرابعة أن هيكل الأمن الإقليمي بعد انكشاف المخطط الإبراهيمي تعرض لتغيرات، بل ضربات فأس بنيوية بما في ذلك مجلس التعاون الخليجي. وبات واضحا أنه لم يعد يمثل أهمية في التفكير الغربي كما كان عند إنشائه، وأن المحور (الإبراهيمي) صار إطارا للمصالح الغربية أكثر فعالية. وقد قلبت تغيرات اليمن والسودان والصومال التوازنات داخل المجلس التي سادت بعد طوفان الأقصى، فباتت أغلبية المجلس في هذه اللحظة ذات مصالح مشتركة - وبات المحور الإبراهيمي في جانب الأقلية. يمكن ملاحظة ذلك بسهولة أنه لم توقع دولة إبراهيمية واحدة على بيان الـ٢١ دولة. إن تنسيقا عربيا وتركيا أيضا بات واجب الوقت؛ لمنع اختفاء ما يسمى بالعالم العربي بدوله وحدوده التي نعرفها لصالح شرق أوسط أمريكي إسرائيلي مليء بالدويلات الفسيفساء.

هذا وقت الأفعال لا الأقوال، والجرأة لا التردد، والسرعة في بناء التحالفات قبل التفريق بينها وإعادة بعضها إلى الأوهام القديمة.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري