ترامب رجل حرب يتحدث عن السلام

04 يناير 2026
04 يناير 2026

إن الإطاحة وما أُفيد عن اعتقال نيكولاس مادورو على يد قوات أمريكية غازية -وهو الرئيس الاشتراكي المتشدد لفنزويلا- ستبعث قشعريرة خوف واضطراب في أنحاء العالم. هذا الانقلاب غير شرعي، وغير مبرَّر، ومزعزع للاستقرار إقليميا وعالميا. إنه يقلب الأعراف الدولية، ويتجاهل حقوق السيادة وسلامة الأراضي، وقد يفضي إلى وضع فوضوي داخل فنزويلا نفسها.

إنها فوضى تُصاغ على هيئة سياسة، لكن هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن؛ عالم على مقاس دونالد ترامب! إن الهجوم المباشر على فنزويلا يمثل تأكيدا استثنائيا وخطيرا لقوة أمريكية غير مقيّدة، وقد جاء في الأسبوع نفسه الذي هدّد فيه ترامب بتوجيه ضربات عسكرية ضد نظام آخر غير محبوب ومعاد للغرب: إيران. ويأتي ذلك بعد أشهر من تصاعد الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي الأمريكي على مادورو بما في ذلك هجمات بحرية قاتلة استهدفت قوارب يُزعم أنها لمهرّبي مخدرات.

يزعم ترامب أنه يتحرك لمنع تدفق المخدرات غير المشروعة إلى الولايات المتحدة عبر فنزويلا، ولوقف ما يدّعي أنه تدفّق لمهاجرين «مجرمين». وعلى نحو يذكّر بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 يُتَّهم أيضًا بالتطلع إلى موارد فنزويلا الهائلة من النفط والغاز، وهي شكوك عززتها مصادرات أمريكية متكررة وغير قانونية لناقلات نفط فنزويلية.

لكن دوافع ترامب الأساسية تبدو شخصية: عداوة موجّهة إلى مادورو، ورغبة في إحياء «مبدأ مونرو» من القرن التاسع عشر عبر إنشاء مجال نفوذ وهيمنة أمريكيين في عموم الغرب.

قادة إقليميون -بينهم رئيس كولومبيا غوستافو بيترو الذي اشتبك مع ترامب في الأشهر الأخيرة- استقبلوا الانقلاب بالغضب والهلع؛ لا سيما ربما لأنهم يخشون أن يصبحوا هم أيضًا ضحايا للهيمنة العدوانية الجديدة التي تفرضها واشنطن. ولحكومة كوبا اليسارية سببٌ خاص للقلق؛ فهي تعتمد بدرجة كبيرة على نظام فنزويلا في الحصول على طاقة رخيصة، وعلى دعم سياسي واقتصادي.

لم يُخفِ ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي رغبته في رؤية تغيير للنظام في هافانا. وفي بنما أيضًا سترتفع مستويات القلق إلى حد كبير؛ فقد هدّد ترامب سابقا باتخاذ إجراء عسكري هناك بسبب السيطرة على قناة بنما. بل إن ما أُفيد عن اعتقال مادورو يستدعي إلى الأذهان الغزو الأمريكي لبنما عام 1989، والإطاحة برئيسها آنذاك مانويل نورييغا واعتقاله.

الأنظمة السلطوية المعادية للديمقراطية حول العالم ستتابع خطوات ترامب التالية بتمعّن، كما سيفعل حلفاء واشنطن الديمقراطيون. وقد أدانت إيران الانقلاب، ولديها أسباب وجيهة للخوف، لكن فلاديمير بوتين رئيس روسيا قد لا يكون مستاء تماما من إقصاء حليفه الفنزويلي.

إن لجوء ترامب غير المبرر إلى العنف لا يختلف كثيرا عن أفعال بوتين حين غزا أوكرانيا. كلاهما هاجم بصورة غير قانونية بلدا مجاورا، وسعى إلى إزاحة قيادته. وبالنسبة إلى شي جينبينغ في الصين الذي كانت قواته الأسبوع الماضي تتدرّب على عمل عسكري ضد «انفصاليّي» تايوان؛ فقد وضع ترامب سابقة قد يسرّه يوما ما أن يسير على خطاها.

يشكّل انقلاب ترامب مصدر قلق بالغ لبريطانيا والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات الغربية ينبغي لهم، بل يجب عليهم أن يدينوه بلا مواربة؛ فهو يتحدى مباشرة القواعد والمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي ويعتزون بها. لقد تجاهلت الولايات المتحدة مرة أخرى الأمم المتحدة والطرق التقليدية لمعالجة الخلافات بين الدول. وهي تتحرك على ما يبدو بقدر ضئيل من الاكتراث أو التفكير فيما سيحدث لاحقًا داخل فنزويلا.

لقد جرى «قطع رأس» حكومة كراكاس، لكن أعضاء آخرين كبارًا في النظام ما زالوا ـ على ما يبدو ـ في مواقعهم. وهم يدعون إلى المقاومة، وربما إلى الرد على الولايات المتحدة. ثمة تقارير غير مؤكدة عن سقوط ضحايا مدنيين. وإذا نشأ فراغ في السلطة فقد ينهار النظام العام بما يشعل حربا أهلية، أو يفتح الباب أمام انقلاب عسكري محتمل. كما أنه ليس واضحا ما إذا كانت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة قد انتهت، أم أنها قد تتصاعد أكثر.

إن الاعتقاد بأن قادة المعارضة الموجودين في المنفى، مثل الفائزة بجائزة نوبل للسلام لعام 2025 ماريا كورينا ماتشادو سيعودون سريعًا، وأن الديمقراطية الكاملة ستُستعاد الآن هو تصور ساذج. الأيام المقبلة ستكون حاسمة، وكل ذلك يقع على عاتق ترامب.

ينبغي أن يضع فعل ترامب المتهور حدا نهائيا لتوصيفه المضلل دوما لنفسه بوصفه «صانع سلام عالميا»، وقد حان الوقت لكي يعترف كير ستارمر وسائر القادة الأوروبيين علنا به على حقيقته: صانع حروب عالمي، وخطر شامل.

في كل مرة يقتحم فيها بضجيج وتهور مناطق النزاع مثل روسيا ـ أوكرانيا، أو إسرائيل ـ فلسطين واضعا مواعيد نهائية، ومطلقا إنذارات، ومختارا مفضلين، ومُحوِّلا البؤس إلى سلعة؛ تتراجع مساعي السلام العادل والدائم خطوة إلى الوراء.

وليس غريبًا أن يظل السلام بعيد المنال. وعلى نحو غريب أيضًا -حتى وهو يتقمص دور «صانع سلام» غير معني ورافض للتدخل- يشن ترامب في الوقت نفسه حربا على العالم؛ فقد نفذت الولايات المتحدة العام الماضي أعدادا قياسية من الضربات الجوية في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ وفق ما تُظهره استطلاعات.

منذ عودته إلى المنصب قبل عام قام ترامب «المحب للسلام» بقصف اليمن متسببا بقتل عدد كبير من المدنيين بتهور بعد أن خفّف قواعد الاشتباك، وقصف نيجيريا بما أفضى إلى نتائج عكسية، وقصف الصومال والعراق وسوريا، وقصف إيران حيث بالغ بصورة مضلِّلة في تصوير نجاح الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية. وهو حتى يرفض استبعاد قصف جرينلاند، وهي أرض ذات سيادة تابعة لحليف في الناتو هو الدنمارك! ماذا يجري داخل رأس ترامب؟ ثمة تفسير «حميد» يقول: إنه في مسائل الحرب والسلام لا يعرف ما يفعل ـ بلا استراتيجية، وبلا رؤية ـ، ويخترع السياسة على نحو مرتجل بحسب مزاجه.

أما التفسير الأكثر قتامة فيقول: إنه يعرف تماما ما الذي يفعله، وأن الأسوأ قادم. وكغيره من الرؤساء الذين قضوا ولايتهم الثانية، وقد نفدت منهم السبل داخليا؛ يجد ترامب أن المسرح العالمي يتيح إمكانات أوسع لاستعراض القوة وتغذية الأنا. إنه يبني إرثا مكتوبا بالدم.

إن سلوك ترامب غير المسؤول والمتقلب على نحو خطير يزداد سوءا بشكل ملموس. وقد يشجعه «نجاحه» في فنزويلا على الإقدام على محاولات أخرى أكبر وأفدح منفلتة وعديمة الاتزان. وكأنه مارك أنطونيوس بلا توغا ولا عقل؛ يتبختر ويتصنع، ويصرخ: أطلقوا الفوضى! ثم يطلق كلاب الحرب.

سيمون تيسدال معلّق الشؤون الخارجية في صحيفة «الغارديان».