انتصار أمريكا في فنزويلا بين القانون والنفوذ
04 يناير 2026
04 يناير 2026
تفاعلت وسائل الإعلام التقليدي وغير التقليدي مع الحدث الأبرز سياسيًّا بعدما ألقت الولايات المتحدة القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية، بعد حملة ضغط استمرت شهورا من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب. ونُقل مادورو إلى سفينة حربية متجهة إلى نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية تنتظره. تفاعل الإعلام اتخذ أشكالا مختلفة بين تأييد ورفض واستهجان، بين صدمة نفوذ وسلطة الولايات المتحدة الأمريكية في تهميش سيادة دولة ما، وتصريحها بإدارة مستقبلية لها، تفاعلا اتّخذ أساليب مختلفة من تحليل وتوصيف وسرد تاريخي لتدخلات مشابهة للإدارة الأمريكية في شؤون دول أخرى.
وإن كان من انطلاقة أولى في هذه المقالة فربما من المجدي تعريف فنزويلا كأكبر احتياطات نفطية مؤكدة في العالم، تزيد على 300 مليار برميل، لكن هذه الثروة تعاني من سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات، والعقوبات الأمريكية التي أدّت إلى خفض إنتاجها بشكل حاد من ذروة تجاوزت ثلاثة ملايين برميل يوميا إلى نحو مليون برميل يوميا أو أقل، رغم الاستثناء الأمريكي الذي أتاح لشركة «شيفرون»(الشركة الأمريكية متعددة الجنسيات التي تعمل في مجال الطاقة) مواصلة عملياتها في فنزويلا لتنتج نحو ربع ما تخرج أرضها من النفط. كما أنه من الضروري التذكير بصفة مادورو قبل توليه رئاسة فنزويلا صوتا بارزا في دعم التحالف البوليفاري للقوى في أمريكا اللاتينية ALBA، وهو تحالف إقليمي يهدف لتقليل النفوذ الأمريكي، ومع عدم اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشرعية الانتخابات الفنزويلية الأخيرة في يناير 2025 التي منحت مادورو ولاية رئاسية ثالثة يشكل الصراع بين مادورو والولايات المتحدة محورا رئيسيا في سياسته الخارجية. ويروج مسؤولون في إدارة الرئيس الأمريكي إن مادورو يقود ما يُعرف بـ«كارتل الشمس» لتدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة. كما تتهم واشنطن مادورو بالضلوع في تهريب المخدرات والفساد، مما دفعها للإعلان عن رفع قيمة المكافأة المالية مقابل معلومات تؤدي لاعتقاله إلى مستويات غير مسبوقة لرئيس دولة.
ورغم انتقاد ترامب مرارا إخفاقات بلاده في إدارة دول أخرى، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية» فإنه دعا بعد تنفيذ عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي إلى وضع فنزويلا التي تضم 30 مليون نسمة تحت وصاية أمريكية ولو مؤقتا. كما أعلن السبت التعاون مع نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز، لا مع المعارضة الديمقراطية ماريا كورينا ماتشالدو «أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها أن تكون القائدة؛ فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد» مضيفا «إنها امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام». في حين أعلنت هي بعد ساعات من اعتقال مادورو «لحظة الحرية حانت في فنزويلا، فبعد اعتقال مادورو الذي رفض التفاوض لترك منصبه، الولايات المتحدة أوفت بوعدها بدعم سيادة القانون، ونحن اليوم على أتم الاستعداد لإنجاز مهمتنا وتولي السلطة، كونوا مستعدين لتنفيذ ما سنعلن قريبا». وبين وعود لترامب وحماس لماريا ماتشادو ورفض ديلسي التسليم بسقوط مادورو ومطالبتها بإطلاق سراحه تبقى التكهنات كثيرة حول الفراغ السيادي في فنزويلا، مع ترقب ما يمكن أن يسفر عنه هذا الفراغ في فنزويلا من فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية.
ومع الحديث عن الفراغ السيادي لا بد من الحديث عن قانونية الفعل أولا، فهل كانت الضربة التي نفذتها أمريكا قانونية؟ وإن كانت كذلك فما هي مبرراتها؟ وإن كانت مبررة ألا تشي بالقلق إزاء تدخلات مستقبلية لأمريكا في دول أخرى قد تختلف مع إدارة البيت الأبيض ومصالح أمريكا؟ وإن لم تكن مبررة فلا مجال لمعاقبة أمريكا، بررت السلطات الأمريكية هجمتها بطلب وزارة العدل للمساعدة العسكرية للقبض على مادورو، الذي وجهت إليه هيئة محلفين في نيويورك اتهامات مع زوجته وابنه واثنين من القادة السياسيين وشخص يزعم أنه زعيم عصابة دولية، حيث سبق اتهامهم بجرائم تتعلق بالإرهاب والمخدرات والأسلحة. ومع ذلك ألقى ترامب، في مؤتمر صحفي، باللوم على فنزويلا لسرقة المصالح النفطية الأمريكية، مهددا بوضوح أن واشنطن ستستعيدها. كما أعلن عن إدارة فنزويلا مؤقتا، دون تقديم تفاصيل، لكن ما ذكره يكفي لتلمس الدافع الاقتصادي السياسي، وإن الكونجرس الأمريكي يملك سلطة إعلان الحرب، لكن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومع ذلك ينبغي أن يكون العمل العسكري محدود النطاق يصب في المصلحة الوطنية. في حين أن الكونجرس أعلن عبر وزير الخارجية، ماركو روبيو عدم استشارته أو معرفته التفاصيل، وهو ما برره الرئيس الأمريكي بتضييق الدائرة خشية تسرب الأخبار وإفشال العملية! مع التأكيد بحظر القانون الدولي استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في استثناءات ضيقة مثل تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو في حالة الدفاع عن النفس، وذكر خبراء قانونيون أن الاتجار بالمخدرات وعنف العصابات يعدُّ نشاطا إجراميا لكن لا يرقى إلى المعيار الدولي المقبول للنزاع المسلح الذي يبرر الرد العسكري.
وبعيدا عن القانون قريبا من صناعة الدراما لا بد من الإشارة لاختيار التاريخ موافقا للثالث من يناير عام 1990، حين قامت قوات دلتا، نفس القوات التي اختطفت مادورو، بعملية مشابهة في بنما، حيث قامت قوات دلتا بمساندة قوات المشاة المحمولة جوا باختطاف الرئيس البنمي مانويل أنطونيو نورييجا، والطريف أنها وجهت له الاتهامات ذاتها! كما تجدر الإشارة إلى تكريس الصورة البصرية للرئيس الفنزويلي في مطلع العام تقوده قوات مكافحة المخدرات مكبلا بالأصفاد، رسالة إذلال أريد بها تكريس نفوذ أمريكا وسلطتها على كل مخالف.
ختاما: من البديهي التأكيد على أن الوصول للرئيس الفنزويلي في عقر داره واقتياده وزوجته إلى محاكمة في أمريكا خرق لسيادة الدولة ما كان ليتم دون تواطؤ داخلي تمثل في الصمت الدفاعي. ودون هشاشة مجتمع يعاني أزمة ثقة وتحديات وصراعات، دون جسور تواصل مُعطّلة بين الرئيس وشعبه حالت ليس بينه وبين أمانه وحسب، بل بين البلاد واستقرارها داخليا وخارجيا رغم كل ما تملك من ثروات طبيعية وبشرية. فلا أقل من تدبر رسالة مفادها أن الأمن الحقيقي لأي دولة يكمن في الموازنة بين الأمنين الاجتماعي والاقتصادي ترسا ضد الهجمات والأطماع الخارجية، ودرعا من الخيانات الداخلية.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية
