أمن العالم في يد بايدن .. لولا خوف السياسة

11 مايو 2022
11 مايو 2022

ترجمة: أحمد شافعي

الفرصة سانحة أمام الرئيس بايدن لاجتناب أزمة نووية قادرة على دفع الولايات المتحدة إلى شفا حرب وتهدد التحالف الذي يقيمه الرئيس الأمريكي ضد روسيا، لكنه لا ينتهزها لسبب وحيد مسيطر هو خوفه من انتكاسة سياسية.

لقد تعهد الرئيس بايدن منذ أن ولي السلطة بأن يدخل مرة أخرى الصفقة النووية الإيرانية التي وقّعها باراك أوباما وأنهاها دونالد ترامب. وذلك أمر ضروري لأن إيران ـ وقد تحررت من التزامات الصفقة ـ مضت تسارع إلى امتلاك القدرة على صنع قنبلة نووية. والآن، بحسب تقارير صحفية، اتفقت الولايات المتحدة وإيران إلى حد كبير على كيفية إحياء الاتفاقية.

لولا عقبة كبيرة باقية، وهي إعلان إدارة ترامب قوات الحرس الثوري منظمةً إرهابية أجنبية وترغب إيران في إلغاء هذا الإعلان. وقد قال وزير الخارجية أنطوني بلينكن للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في أواخر أبريل إن الولايات المتحدة لن تفعل ذلك، ليس على الأقل دونما شروط لم يعلنها وتبدو طهران ممتنعة عن تلبيتها. وحذر أيضا أعضاء المجلس من أن العجز عن التوصل إلى اتفاقية تمنع التقدم النووي الإيراني له عواقب وخيمة، ففي تقديره أن الجمهورية الإسلامية "على بعد أسابيع" من القدرة على صنع سلاح نووي.

في ضوء ذلك كله قال الرئيس بايدن كلاما أشد صدمة؛ إذ قال إن التصنيف كجماعة إرهابية مسألة عديمة القيمة. موضحا أنه "على الصعيد العملي، لا ينطوي التصنيف على تحقيق الكثير فعليا في ظل وجود عدد غفير من العقوبات الأخرى المفروضة على الحرس الثوري". وباعترافه هذا فإن إدارة بايدن تخاطر بصفقة إيران النووية دونما مقابل.

يزعم الخصوم المعترضون أن التنازل لإيران- ولو في قضايا رمزية إلى حد كبير- سوف يجعلها تجترئ وتصبح أكثر عدوانية. لكن الشاغل الأساسي لإدارة بايدن هو الاعتبارات السياسية. فالظهور بمظهر اللين تجاه قوة تستهدف قوات تابعة للولايات المتحدة ـ حتى لو لم يحمل هذا المظهر دلالة تذكر على مستوى الواقع ـ ليس مفيدا من الناحية الانتخابية، وبخاصة مع اقتراب حملة انتخابات التجديد النصفي وجهامة التقديرات المتوقعة للديمقراطيين فيها. والكونجرس لا ييسر الأمر على الإطلاق، ففي 4 مايو وافق ستون من أعضاء مجلس الشيوخ ـ منهم 16 ديمقراطيا ـ على اقتراح غير ملزم يعارض إخراج الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وقال مسؤول في إدارة بايدن أخيرا لواشنطن بوست "إننا على المستوى السياسي نعلم أن اتخاذ هذه الخطوة أمر بالغ الصعوبة".

أصبح هذا الجبن نمطا متبعا في إدارة بايدن. فهي على صعيد السياسة الخارجية كثيرا ما تتراجع عن سياسات تعتقد أنها الأفضل في مواجهة المعارضة السياسية.

خلال حملة 2020 الانتخابية، تعهد الرئيس بايدن في برنامج الحزب الديمقراطي بـ"التحرك سريعا نحو عكس" عقوبات إدارة ترامب التي أسهمت في إلحاق المزيد من الشقاء بالشعب الكوبي ولم تسهم بشي في تحسين حقوق الإنسان. وبدلا من ذلك شدد الرئيس العقوبات في خطوة معاكسة وصفتها نيويورك تايمز في العام الماضي بأنها "تعكس النفوذ المتزايد للسناتور روبرت مينيدير الذي يحظى ـ بوصفه رئيس لجنة العلاقات الخارجية ـ بسلطة هائلة على مرشحي الإدارة وأولويات أخرى لها".

وعد الرئيس بايدن أيضا خلال الحملة بـ"إعادة فتح قنصلية الولايات المتحدة في القدس الشرقية" وهي إشارة للفلسطينيين في المدينة ـ الذين يعيش أغلبهم دونما مواطنة في ظل الاحتلال الإسرائيلي ـ إلى أن الولايات المتحدة تبدي اهتماما بمحنتهم. لكن الجمهوريين في الكونجرس اتبعوا الحكومة الإسرائيلية في نبذ خطط إعادة فتح القنصلية؛ ولذلك فإنها لم تزل مغلقة.

قال الديمقراطيون أيضا في برنامجهم إنهم سوف ينهون سياسة "حروب التعريفات الجمركية أحادية الجانب التي خاضها ترامب برغم أنها تلحق بالولايات المتحدة هزيمة ذاتية" ضد الصين. لكن مع تكالب السياسيين من كلا الحزبين على إثبات مدى شدتهم على بكين، من شأن هذه الخطوة أيضا أن تواجه مقاومة ضارية. ولذلك تبقى رسوم ترامب الجمركية قائمة إلى حد كبير.

بالطبع ليس بوسع أي رئيس أن ينفذ كل ما يرد في برنامجه الحزبي. ولكن الرئيس بايدن لم يقم حتى بإلغاء سياسات فرضها رئيس هزمه ولم يعد سياسات اتبعها رئيس خدم في فريقه. وفي حالة إيران، يمثل هذه العزوف عبثا وينطوي على خطورة.

هو عبث لأنه لم يكن من سبب وجيه في المقام الأول لإعلان منظمة الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية. فإلى أن فعل الرئيس ترامب ذلك في عام 2019، لم يكن التصنيف يُطُبَّق على أي جيش أجنبي. وكانت القوات بالفعل خاضعة للعديد من العقوبات. وقد اعترف أنصار خطوة الرئيس ترامب صراحة بأن غاية التصنيف كانت ضمان ألم سياسي كبير لأي رئيس يفكر مستقبلا في إحياء صفقة إيران النووية التي وأدتها إدارة ترامب.

وحتى بعض المعلقين الرافضين حاليا لرفع التصنيف ـ لظنهم أن ذلك من شأنه إغضاب حلفاء لأمريكا مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية ـ يعترفون بأن التصنيف لا يمنع الحرس الثوري من أي شيء. ومثلما اعترف ماثيو ليفيت من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني ـ وهو مؤسسة صقور متشددة ـ فإن التصنيف "قليل المنفعة عمليا في مساعدة حكومة الولايات المتحدة في تعاملها مع الحرس الثوري".

التبعة الأوضح لهذا التصنيف للحرس الثوري ضمن المنظمات الإرهابية الأجنبية هو أن من سبق لهم الانتماء إليه ممنوعون من دخول الولايات المتحدة. ولكن من المشكوك فيه أصلا أن الجنرالات الإيرانيين ـ وهم يواجهون بالفعل جملة عقوبات أخرى ـ يخططون لإجازات في أمريكا. لكن المتضررين المحتملين من هذا هم مئات آلاف الإيرانيين العاديين الذين خدموا في الحرس الثوري. لقد وجَّه الأوركسترا السيمفوني الباسيفيكي في مارس الدعوة إلى المغني الإيراني أليريزا غورباني المقيم حاليا في كندا لإحياء حفل في كاليفورنيا الجنوبية. لكنه منع من دخول الولايات المتحدة بسبب تجنيده قبل عقود في الحرس الثوري الإيراني.

ولو لم يكن هذا كله كافيا، فإن عدم رفع الحرس الثوري من القائمة قد يؤدي في أسوأ الاحتمالات إلى حرب. إذ يتنبأ على فايز الخبير الإيراني في المجموعة الدولية للأزمات بأنه في حال عدم إحياء الصفقة الإيرانية واستمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بإيقاعها الراهن فإنها بحلول خريف العام الحالي سوف تكون على مسافة أيام من الوصول إلى قدرة صنع قنبلة نووية. وكلما اقتربت طهران، ازداد الضغط الذي يواجهه بايدن لشن ضربة عسكرية أو الرضوخ على الأقل لقيام إسرائيل بها. قال لي فايز "بحلول نهاية العام سيكون الاختيار إما قنبلة بايدن أو حرب بايدن".

إن من شأن أزمة مع إيران أن تقوض التحالف العالمي الذي أسهم الرئيس بايدن في تشكيله للدفاع عن أوكرانيا. ومن شأنها ألا تمثل محض أزمة سياسية أجنبية وإنما كارثة سياسية أيضا. ولو أن الرئيس بايدن يرى أن انتخابات التجديد النصفي تبدو قاتمة الآن فليتخيل التأثير على توقعات الديمقراطيين إذا ما أصبحت إيران قوة نووية فعلية أو إذا هوى ذلك الاحتمال بالولايات المتحدة إلى أتون حرب أخرى في الشرق الأوسط. إن الرئيس باجتنابه هذا الصداع السياسي الآن، يستحث صداعا أكبر في المستقبل.

إن إدارة بايدن في ما يتعلق بإيران تريد أن تلعب اللعبة الآمنة. وليس هذا بوسعها. فخيرٌ لها ببساطة أن تفعل ما يجب أن تفعله.

بيتر بينارت كاتب صحفي معني بالسياسة الخارجية الأمريكية، وأستاذ الصحافة والعلوم السياسية في مدرسة نيومارك للصحافة بجامعة مدينة نيويورك

** "خدمة نيويورك تايمز ترجمة خاص بجريدة "عمان"