واهبُ الحكايا
وبالرغم من أنّ العين الغربيّة تتلقَّط من الروائيين من يكسر التابوهات، ويمسّ الموانع والمحرّمات، إلاّ أنّ أصواتًا سرديّة خليجيّة تمكنّت من أن تفرض رؤيتها وأن تُلزم القارئ الغربيّ أن ينجذب إلى إيقاعها.
يسحب زهران الحكاية من فم المجتمع الخاصّ. يُدرك خباياها وما تخفّى منها، ويُعدّها بذكاء السّارد للتشكّل روايةً كاملة العناصر لا تخضع لمعهود الحكي، ولا تجترّ مُعَادًا، وإنّما كلّ حكاية يعرضها تُبطن عوالم تتحرّك في صمت؛ ولذلك فقد نجح زهران القاسمي في تغيير المنظور الغربي دون أن يتقصّد ذلك؛ ففارق دور «المُخبر الروائي» الذي كان العقل الغربي يطلبه من أدب العرب عامّة، المُخبر الروائي الذي يُقدّم للذائقة الغربيّة ما تريده؛ إذ تركّز شقّ من اهتمام المستشرقين على إيجاد عين ساردة تحكي المسكوت عنه، وتثير قضايا يُريدونها، مثل العنصريّة والنسويّة ومنشأ الإرهاب، كانوا دوما يحتفون بمن يخرق هذا المسكوت عنه، وإن لم يكن حسن الرواية، صاحب ماء في القصص؛ ولذلك، تلقّفوا «بنات الرياض» ونقلوها إلى لغاتهم، وانصرفوا إليها درسًا ونقدا وتحليلا وتعليلا. لم يدخل زهران القاسمي هذه الدائرة، كما لم تدخلها من قبل جوخة الحارثي، كما لم يدخلها من قبل عبد الرحمن منيف.
أدركتُ ذلك، وبشّرتُ دون تملّق أو تودّد بمقبل زاهر للرواية في عُمان، وها أنا أنذر اليوم بعد أن بلغنا مرحلة مهمّة من الازدهار تصدّرت فيها الرواية الخليجيّة مشهد الإنتاج الروائي العربيّ، وتصدّرت فيها الرواية العمانيّة مركز الاهتمام عربيّا وغربيّا، أنذر بضرورة التمسّك بهذا الظفر، والعمل عليه لتغذيته وتنميته وإخراجه في لبوسه الحسن.
لابدّ أن تعمل المنتديات والجمعيّات على خلق حركيّة روائيّة تُنشِّط الذاكرة السرديّة لدى الكتّاب، وتحملهم إلى مزيد الإبداع واختراق مجاهل جديدة، وتجريب طرائق مبتكرة.
ومن باب تأصيل هذه الحركيّة الروائيّة التي لا يُستهان بها وجبت العودة إلى مصابيح الضياء الأولى: إلى علي المعمري وتنزيله منزلته من الرواية العمانية. الروايةُ في الخليج ليست طفرة، وإنّما هي شاملةٌ ونامّة عن حركيّة تاريخيّة بدأت من سبعينيّات القرن الماضي، وهي أيضا استعادة لماضٍ أثير كان فيه لأهل الخليج أثرٌ ودور رئيس وسهمٌ مصيب في تشكيل أدب العرب القديم؛ ولذلك فإنّ طفرة النفط لم تُعطِّل هذه الاستعادة، ولم تكبت الطبع الحكائيّ، ولم توقف جموح التفاعل مع الواقع بتخييل لا حدّ له.
لقد فتَّح روائيّون من الخليج بابًا منه تأتّت حكاياتٌ لا عهد لنا بها، ولا عهْد للعالم بها؛ حكاياتٌ يعيشُها الروائيّون ويُتقنون تمثّلها: تاريخٌ حديثٌ مُعقّد، وحياةٌ اجتماعيّة قبَليّة لها نواميسها وأسرارها، ومهنٌ وأعمالٌ تتحوَّلُ إلى منجم حكايات.
لاقى زهران هوى عند أشباهه أولا، فتُقُبِّل القبول الحسن، ثمّ لاقى هوى عند المختلف المتغاير فرأى في قصصه حياة الإنسان في تفاعله مع بيئته. وزهران من النماذج العربيّة القليلة التي يجري عليها النقد البيئي.
زهران القاسمي واحدٌ من حركيّة روائيّة لا زعيم لها، غير أنّ عددا من الآباء أسّسوا هذا المشهد: غازي القصيبي، وتركي الحمد في سرد وجهته خلخلة التابوهات، والجرأة في مسّ طهارة المجتمع، وليلى العثمان بعوالمها السرديّة المثيرة للحريّة الشخصيّة ولقضايا المرأة، وعلي المعمري مثقّفًا نموذجيّا وحكّاءً يعجن التاريخ بالواقع، ويمزج الذاتي بالسياسي، وغيرهم كثر.
غير أنّ ما يعجبني في أغلب هؤلاء أنّ حكاياتهم لم تذهب مذهب الإفراط وإرضاء دُعاة التحرّر، وإنّما حكوا بأخيلتهم قضاياهم بأسلوبٍ مرغِّب؛ فالمرأة ليست ظلاًّ، والقبليّة ليست خطيئة، والإسلام ليس إرهابًا. خلّف هؤلاء أجيالاً حملوا مشعل الرواية باقتدار.
تحلّوا بمحلّيتهم وقصّوا وجوهها وأجواءها وأنواءها وأشخاصَها. قصّوا عوالمهم واستثمروا حكاياتهم التي يريدونها لا التي يريدها الآخر.
عالم الخليج المسكوت عنه تحويه الرواية وتحتويه، غير أنّ هذه المحليّة المؤسّسة للكونيّة هي مظهر من مظاهر الإنسان الكوني، وهي صورةٌ من صوره. فها هو الخليج أضحى واهب الحكايا والحياة.
