السجادة الإيرانية وفن التفاوض

10 مارس 2026
10 مارس 2026

يحلو للإيراني أن يصف نفسه بحائك السجاد البارع، الذي يجلس طويلاً أمام نوله، ينسج خيوط سجادته عقدة بعد عقدة. ومن هذه الحرفة اكتسبت إيران شهرتها الواسعة، حتى غدت سجاداتها اليدوية رمزًا للجمال والإتقان، ومع مرور الزمن أصبح اسم السجادة الإيرانية مقترنًا باسم البلاد نفسها؛ فكلاهما يستحضر بوصفه مرادفًا للجمال والصفاء والنقاء، ولروح الصبر وطول البال.

المقاربة بين حياكة السجاد وحياكة المفاوضات: كلاهما يحتاجان إلى صبر وتأنٍ ودراسة وعمق. وكلاهما يجيدهما الإيرانيون؛ فمثلما هم بارعون في صناعة السجاد، يقولون عن أنفسهم أيضًا إنهم بارعون في التفاوض حتى النفس الأخير. لا يسأمون من طول المفاوضات، ولا يتعبون من تكرار الجولات، ويتحلون بقدر كبير من الصبر والأناة، واضعين نصب أعينهم النتيجة النهائية للملف الذي يتفاوضون عليه. وكما تتشكل السجادة عقدةً بعد عقدة حتى تكتمل صورتها، تتشكل المفاوضات لديهم خطوة بعد أخرى، وجولة بعد جولة، حتى يصلوا إلى ما يرونه أقرب إلى تحقيق مصالحهم وأهدافهم.

قبل فترة وجيزة قرأت كتاب «قوة التفاوض» لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وهو كتاب يتناول فلسفة التفاوض وأساليبه، ويتوقف عند الأسس التي تقوم عليها العملية التفاوضية، وأنواعها، وسمات المفاوض الناجح، إضافة إلى المهارات المطلوبة ومراحل التفاوض المختلفة. وينتقل عراقجي بعد ذلك إلى سرد تجربته الشخصية عندما قاد وفد التفاوض الإيراني في الملف النووي مع الولايات المتحدة والدول الغربية. ويؤكد في كتابه أن التفاوض ضارب في جذور الثقافة الإيرانية، وأن الإيراني يتعلمه منذ صغره في أسواق البازار، حيث المساومة جزء من الحياة اليومية.

ويرى عراقجي أن التفاوض هو قلب العلاقات الدولية، وأن نجاحه يعتمد على فهم عميق لثقافات الأطراف الأخرى وعلى القدرة على بناء قدر من الثقة بينها. ويختصر خلاصة خبرته التي امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا في العمل الدبلوماسي بالقول إن التفاوض يشبه إلى حد كبير اجتياز حقل ألغام محفوف بالمخاطر؛ يحتاج إلى صبر طويل، وثبات، وأناة، وقدرة على التقدم بحذر خطوة بعد أخرى.

وفي سياق هذا الفهم العميق لفن التفاوض، لا يمكن فصل السلوك التفاوضي الإيراني عن الإرث الحضاري الفارسي الممتد عبر قرون طويلة. فهذا الإرث، كما يراه الإيرانيون، لا يقوم فقط على القوة أو الصلابة السياسية، بل على مزيج من الكرامة والصبر والقدرة على إدارة الصراع دون التفريط في المبادئ. ومن هذا المنطلق كثيرًا ما يؤكد الدبلوماسيون الإيرانيون أنهم يدخلون أي مفاوضات انطلاقًا من مبادئ المساواة والاحترام المتبادل، مع رفض واضح للخنوع أو الركوع أو قبول الإملاءات التي تمس السيادة أو الكرامة الوطنية.

وقد بدا هذا النهج واضحًا في جولات التفاوض الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، وهي المفاوضات التي قيل إنها كانت تقترب من لحظة حاسمة. حين صرح السيد بدر بن حمد، وزير الخارجية، إلى أن طهران أبدت استعدادها لوقف تخزين اليورانيوم المخصب، وهي خطوة كان ينظر إليها بوصفها تمهيدًا لاتفاق كان يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة بين الطرفين. وبدا وكأن خيوط السجادة التفاوضية التي طال نسجها تقترب من اكتمال صورتها.

غير أن مسار تلك المفاوضات لم يسر كما كان متوقعًا. فقد أدت الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران إلى تقويض المناخ الذي كانت تُبنى فيه تلك التفاهمات، كما فاقم الأمر وزاد من غضب الإيرانيين أقدام الأمريكيين والإسرائيليين على استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، مما ولد حالة من الغضب داخل إيران، وهو ما انعكس في تصاعد الخطاب السياسي والشعبي. وهكذا انتقلت طهران، في نظر كثير من المراقبين، من طاولة التفاوض التي تحتاج إلى صبر طويل، إلى مرحلة الدفاع عن موقعها في مواجهة ما اعتبرته تهديدًا مباشرًا لأمنها وسيادتها.

الحديث عن طول الصبر والعودة إلى طاولة المفاوضات قد لا يزال خيارًا مطروحًا أمام الإيرانيين، فهم كما يبدو يدرسون ذلك بعناية كبيرة. ورغم كرامتهم المجروحة ودمائهم التي سالت، إلا أن كثيرًا منهم لا يزال يؤمن بأن لغة التفاوض قد تتغلب في نهاية المطاف على لغة العنف، إذا التزم بها الطرف الآخر بصدق واحترام متبادل. فالتفاوض، كما يرونه، ليس مجرد جولات عابرة، لكنه مسار طويل يحتاج إلى صبر وأناة، تمامًا كما تحاك السجادة عقدة بعد عقدة حتى تكتمل صورتها. ولذلك قد تكون العودة إلى طاولة المفاوضات، في نظرهم، الطريق الأقرب لتحقيق قدر من الأمن والاستقرار لهم وللمنطقة بشكل أعم.