الدراما زمن الحرب

10 مارس 2026
10 مارس 2026

كيف يستطيع الفن أن يتحدث عن الإنسان في زمن يعلو فيه صوت القوة والحرب؟

لم يكد ينتهي النصف الأول من شهر رمضان حتى وجد المشاهد العربي نفسه، وهو يتابع خارطة الدراما الرمضانية، أمام سيناريو ليس جديدًا تمامًا، لكنه يعود كلّ مرة بوجوه أشدّ قسوة: سيناريو الحرب.

أطلقت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني صواريخهما ضد إيران، فعاد إلى الواجهة الإعلامية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، نقاشٌ لم يتوقف منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م: ما دور المثقف في مثل هذه اللحظات؟ وأين تقف المؤسسات الثقافية التي يفترض أن تعبّر عن ضمير المجتمع؟ هل تصدر بيانات واضحة تُدين الحرب والمتسببين بها، أم تكتفي بالالتفاف حول الشعارات والتخندق خلف التحزبات السياسية؟ ألم يكشف الطوفان أن حرية الرأي والديمقراطية غير حقيقيتين في عالمنا؟

ومع كل تصعيد جديد يعود السؤال ذاته، وكأن العالم العربي يدور في حلقة من الجدل لا تنتهي.

فهل ندعو إلى نصرة دولة مسلمة تتعرض للهجوم؟ أم نترك الأمر لخطاب القوة الذي يتمنى أن تُمحى دولة كاملة من فوق الأرض؟

وفي هذه المرة لم يعد النقاش بعيدًا عن الخليج. فاللسان الذي يتجادل اليوم يشمل دول الخليج كافة، تلك التي ظنت أن أنظمتها وشعوبها بمنأى عن الحروب والصواريخ. كما ظنت ذات يوم أن رياح الربيع العربي لن تمر بها. غير أن المُسيّرات التي تقصف القواعد الأمريكية دون تردد أعادت طرح سؤال مختلف: لمن وُجدت هذه القواعد أصلًا؟ وهل كانت لحماية هذه البلدان فعلًا، أم لحماية الكيان ومن في حكمه؟

في مثل هذه اللحظات لا يملك المتابع عنوانًا واضحًا يستند إليه. فهل يمكن أن تكون القراءة شكلًا من أشكال المقاومة؟

ألم يقل مكسيم غوركي: «إنني مدين للكتب بكل ما هو طيب في نفسي»

لكن ماذا عن عالم الشاشات الزرقاء الذي يحيط بنا اليوم؟ القنوات والمنصات والمسلسلات والأفلام والبرامج التي تتدفق بلا توقف.

هل استطاع المسلسل المفضل لدى أي منا أن ينتزعه، ولو للحظة، من الخوف والقلق ومن البحث الدائم عن مكان يصلح للأمان؟

وبما أن للشاشات جمهورها المتابع لتفاصيل الأعمال، وتطور شخصياتها وحبكاتها الدرامية، خصوصًا تلك الأعمال الممتدة عبر أكثر من جزء، يبقى السؤال قائمًا: هل استطاعت هذه الدراما، بكل ما تملكه من قدرة على السرد والتخييل، أن تمنحنا شعورًا بأن العالم ما يزال قابلًا للحياة؟ أم أننا، من حيث لا ندري، نشاهد على الشاشات صدى مرحلة إنسانية توشك على الأفول، فيما يأخذ العالم طريقه نحو قرنٍ «مائجٍ يجتاح العالم كله»؟

وسط هذا الفيض الهائل من الأعمال الدرامية التي تتدفق كل رمضان عبر القنوات والمنصات، لا يستطيع المشاهد — مهما كان شغفه — أن يتابع كل شيء. وربما لا يحتاج إلى ذلك أصلًا. فوسط هذا الزحام تختار العين، عن قصد أو مصادفة، عددًا محدودًا من الأعمال، وتبقى هي التي ترافقك طوال الشهر، أو تترك فيك أثرًا يستحق التوقف عنده.

بالنسبة لي لم أشاهد من خارطة هذا الموسم سوى ثلاثة مسلسلات هي شارع الأعشى، ومولانا، وصحاب الأرض. تفرّقت موضوعاتها وأساليبها، لكنها اجتمعت — من حيث لا تقصد — حول السؤال نفسه الذي يشغلني هنا: كيف يستطيع الفن أن يتحدث عن الإنسان في زمن يعلو فيه صوت القوة والحرب؟

ولهذا سأحاول التوقف عند أحد هذه الأعمال بوصفه مثالًا دالًا، لا مجرد مادة ترفيهية في موسم رمضاني مزدحم.

يظل مسلسل شارع الأعشى بجزئه الثاني الأكثر حضورًا في خارطة دراما رمضان هذا العام، حيث عاد المسلسل بإرهاق كبير. لعلّني من الذين وددت ألا يكون هناك جزء ثانٍ، لكن رأي لا أهمية له، فأحداث الجزء الأول انتهت بسؤال مفتوح على النهاية: ماذا سيكون مصير عزيزة؟ شخصيًّا أسجّل وجود نموٍّ في بناء شخصية عزيزة (الممثلة لمى عبدالوهاب) وتطورها من فتاة مراهقة حالمة بأفلام سعاد حسني إلى امرأة متزوجة من رجل يعاني من أزمة عاطفية مرّكبة، استطاع تأديتها بحضور لافت الممثل ناصر الدوسري. ولعل شخصية عزيزة، بكل تمردها وانكسارها لاحقًا، تعكس هذا التوتر نفسه بين الإنسان الفرد والمجتمع الذي يسعى إلى تأديبه وإعادته إلى النظام.

هاتان الشخصيتان استطاعتا تكوين ثنائيٍّ ناجح، حيث مرت عزيزة بإخفاقات متكررة في علاقتها بالحب الذي ظلت تبحث عنه، وكان الأجدر بها ألا تنتظره أبدًا، بينما يعاني زوجها خالد من علاقة مرضية بفقدانه زوجته، حبَّ حياته الوحيد. بهذا السؤال: ماذا لو نجحت عزيزة في الهروب؟ كيف سيسير المسلسل؟

نجحت شخصية عزيزة في خلق محفزات درامية كثيرة، كما استطاعت أن تخلخل الأفكار المجتمعية في شارع الأعشى حول الحرام والحلال أمام العرف الاجتماعي والتقاليد، وكسرت بجموحها وتلبيتها لنداءات القلب الصارخة كسر العلاقة التراتبية مع الأب الذي أمدها بالدعم العاطفي والمادي مشجِّعًا إياها على التعليم. بالرغم من ذلك النجاح، لاقت عزيزة رفضا مجتمعيًا غير مبرر لأفعالها «الشيطانية»، كما رآها الجمهور.

من هنا، رأيتُ أن الجزء الثاني سيحاول إماطة اللثام عن مآل تلك الأفكار، وسيجعلنا نقرأ تطور شخصية عزيزة في محطات مختلفة، ربما نزولًا عند آراء المشاهدين الذين لم يُطفئ ظمأهم أو يُريح أفئدتهم أفعال عزيزة وهدمها للأب والعائلة في مجتمع تقليدي محافظ يقتات على الأقاويل.

فهل يُغير كاتب السيناريو نهاية عمله نزولًا عند رغبة المشاهدين؟ في الحقيقة نعم. قرأت غير مرة أن المسلسل التركي قيامة أرطغرل بسبب التفاعل المباشر مع الجمهور مع انتشار وسائل التواصل المعروفة خضع لمراقبة من المنتجين، للحفاظ على حضور المسلسل وذكرت بعض اللقاءات حول المسلسل أن بعض الشخصيات أُطيل حضورها بسبب شعبيتها.

وفي سياق تعديل النهايات المفتوحة، مسرحيا أعود إلى سنة 1879م عندما حاول هنريك إبسن إرضاء الثائرين من المتفرجين والنقاد والمخرجين «في بلاد أوروبا إلى تعديل خاتمة مسرحيته بيت الدُّميَة، وجعل نورا، بعد أن صفقت خلفها الباب، تعود إلى البيت لترعى أولادها...».

في هذا السياق، لا شك في أن شخصيّة عزيزة، التي رآها كثير من الجمهور ثائرة بلا مبرر في مجتمع محافظ، يجب أن تعود إليه بوعي متطور، إن ردود فعل التلقي جعلت شخصيتها نصًا منفتحًا للتأويل، وبهذا يصبح شارع الأعشى نصًا متحركًا يتشكل داخل الفضاء الرقمي.

الحل الدرامي الذي لجأ إليه المسلسل تمظهر في كسر منطق نهايات الجزء الأول، فشاهدنا عزيزة تعود منكسرة ومؤدبة، لكنها تتطور تطورًا نفسيًا عاليًا، وتمثّل أيضًا في عودة سعد، الذي نجح سيناريو الجزء الأول في إخبارنا بموته دون أن نشاهد ذلك فعليا كما شاهدنا منصور مقتولًا ومضرّجًا بدمائه فوق التراب وعزيزة تصرخ بحدة، وبكاء، وقهر، ووجع.

يعود سعد حاملا راية التوبة ساعيًا إلى التطهر من ارتمائه في شبكة جماعة الصحوة المتطرفة، وهي عودة إنتاجيّة وجمالية معًا؛ أما الناحية الإنتاجية تتمثّل في تأثر الجمهور الرقمي بعلاقة حبّ سعد وعواطف، حيث نجح الممثل براء عالم في تجسيد تحولات الشخصية وانتقالها من ضفاف الرومانسية إلى مرحلة غسل الدماغ والترويض الأيديولوجي داخل جماعة الصحوة.

وتتعلق الناحية الجمالية بعودة سعد من الموت الظاهري خطًّا دراميًّا في لعبة السرد، لكشف ملف جماعة الصحوة، وهو مبرر درامي معقول، وإن بدا هذا الخط أقل حضورًا أو تركيزًا، في مقابل خطوط الصراعات الفنية الأخرى، مما أوقع المسلسل في التكرار والتطويل غير المبرَّرين فنيًّا، وكان يُمكن الاكتفاء بخمس عشرة حلقة مكثفة في المعالجة والجرعات الدرامية العالية.

ولعل ما يكشفه هذا المسار الدرامي كله هو أن الصراع الذي نتابعه في حياة عزيزة ليس مجرد حكاية شخصية داخل مسلسل رمضاني، بل صورة أخرى لذلك التوتر القديم بين الإنسان الفرد والمجتمع الذي يسعى دائمًا إلى إعادة ضبطه داخل نظامه الأخلاقي الصارم. وربما لهذا السبب تبقى مثل هذه الشخصيات قادرة على إثارة الجدل؛ لأنها تضعنا، مرة أخرى، أمام السؤال نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يبحث عن حريته في عالمٍ يزداد ضيقًا كل يوم؟

وربما لهذا السبب تحديدًا لا يبدو الحديث عن الدراما الرمضانية منفصلًا عن سؤال الإنسان في هذا العالم المضطرب. فهذه المقالة، في النهاية، لا تحاول استقراء السياسة ولا البحث في مفاهيمها ومصطلحاتها، بقدر ما تحاول التقاط شيء أبسط وأعمق: تلك القدرة الخفية التي تجعل الحياة محتملة رغم كل شيء، وتجعل الإنسان قادرًا على العيش وسط الضجيج دون أن يذوب في المقهى السياسي، أو ينسحب كليًا من العالم هربًا من صور الضحايا والمستضعفين في الأرض.