طبول الحرب .. توقيع السينما

10 مارس 2026
10 مارس 2026

ها قد دُقّت طبول الحرب، فارتعشت لها أرواح، واهتزّت أخرى ما بين فزعٍ وترقّب، أو بين حزنٍ خافتٍ وأملٍ حذر.

ولم يعد واضحًا في هذا العالم المضطرم، هل نحزن لما تحمله الحروب من خرابٍ يصيب الأبرياء قبل الأعداء؟ فالحرب حين تقوم لا تُصيب العدوّ منفردًا، بل تمتدّ ألسنتها أحيانًا إلى إخوةٍ لنا في الأرض واللغة والمصير.

أو نستبشر بوجود صوتٍ ما يزال يرفع رأسه في وجه القوّة الغاشمة، ويحدّ من هيمنة الليبرالية المتوحّشة وأوهام السيطرة الكونيّة، ويتطاول على الكيان المغتصب، ومن ورائه التبّع، القوى الحاكمة في كونِ الزوال.

لستُ أنظر إلى هذه الحرب من زاوية السياسة المباشرة، ولا من موقع المحلّلين والاستراتيجيّين، بل أحاول أن أتأمّلها من منظورٍ ثقافيّ أوسع، حيث لا تتحرّك الوقائع في فراغ، بل تسندها سرديّات كبرى تمنحها معناها وتبرّرها في أعين أصحابها.

ومن بين هذه السرديّات ما ترسّخ في الثقافة الأمريكيّة نفسها من صورة البطل القادر على مدّ يده إلى أيّ مكان في العالم ليغيّر مجراه ويعيد ترتيب أحداثه.

وقد أسهمت السينما الهوليوديّة، عبر عقودٍ طويلة، في ترسيخ هذه الصورة، من أفلام رعاة البقر التي يظهر فيها البطل القادر على فرض النظام في أراضٍ مضطرمة، إلى أفلام الكوارث والفضاء التي ينتهي فيها العالم غالبًا إلى انتظار البطل الأمريكي الذي يعيد إليه توازنه، وإلى البطل الخارق الذي يفعل ما يريد ويخترق الرصاص ويعبر البحار ويحقّق الإرادة الأمريكيّة.

ولم تبقَ هذه الصورة رهينة السينما، بل تسلّلت شيئًا فشيئًا إلى المخيال العامّ، حتى غدت جزءًا من الخطاب السياسي نفسه، الذي مسّ قادة العالم، يتحدّثون ويفعلون وقد تلبّسوا هيئة أبطال في مشهدٍ سينمائيّ طويل، يملكون القدرة على تغيير العالم متى أرادوا، ويتصوّرون أنّ العالم حفنةَ نمل يمكن السيطرة عليها أو إبعادها عن الوجود في كلّ لحظة.

وقد بانت هذه الصورة في الخطابات المتتالية لرأس أمريكا الذي يكرّر دوما أنّه هو الذات المربيّة المؤدِّبة القويّة الفاعلة الضابطة لإيقاع العالم، وكلّ ما تريده واجب التحقّق. ولعلّ ما راج من قرْن مشاهد الحرب الأمريكيّة بألعاب دارجة سائدة خير معبّر عن التصوّر المشهديّ اللعبيّ السينمائيّ للكون. وفي مقابل ذلك تقوم سرديّة، لا تعتمد على التمثيل ولا على الوهم السينمائي، ولا على اللّعب، بل على الاعتقاد العميق بالانغراس الوجودي والثقافي في المكان.

إنّها سرديّة شرقيّة تفخر بتاريخها الطويل وبذاتها الحضاريّة المتشكّلة عبر أجيال متعاقبة، وبمكانٍ يحمل ذاكرةً متراكمة من التجربة الإنسانيّة. غير أنّ ذهن «البطل المنقذ» لا يدرك هذه السمات الوجوديّة، إذ يظلّ مشدودًا إلى الإيمان المطلق بقدرة القوّة على السيطرة والهيمنة وتحقيق الأهداف، والنظر إلى الجغرافيا كلاّ واحدًا قابلاً للسيطرة والتوجيه. فالأراضي التي يغزوها راعي البقر في خياله ليست مجرّد مساحاتٍ جغرافيّة يُساق فيها القطيع، بل هي وجود وثقافة وفضاء حضاريّ تراكمت فيه قرون من التجربة الإنسانيّة. وساحة المعركة اليوم هي أرضٌ قدّمت للعالم تجارب وجدانيّة عميقة، وأسهمت في صوغ مفاهيم الجمال والحبّ والتأمّل في الوجود.

لذلك لا يمكن لقرقعة السلاح، ولا لأصوات القنابل العابرة للقارّات أن تمحو آثار هذا الإرث الحضاري، مهما اشتدّت النزعات التدميريّة العمياء. وأعود دومًا إلى التساؤل عن هذه المتعة التي يبدو أنّ بعض قادة العالم يجدونها ويبهجون بها، في تقتيل البشر وتدمير حضاراتهم، وكأنّ تاريخ البشريّة وإرثها لا معنى لهما، صحيح أنّ أمريكا، التي لا تلحقها آثار الحرب في أرضها، تنظر إلى الصراعات من مسافة مختلفة، هي مسافة التاجر، وصحيح أنّ الكيان الغاصب الإسرائيلي الباحث عن تاريخ يصنعه يعيش تحت قبّة من الحماية السياسية والعسكرية والإعلامية، وهو سالم إلى حدّ، وقد نجح في صفّ العالم وراءه وإخراس ما تبقّى منه، غير أنّ ذلك كلّه لا يبرّر هذا التلذّذ بمشاهد الدمار.

وهذا التشفّي المرضي بتحويل العمار إلى دمار وتبديل الحياة إلى موت. لا أحبّ الفكر الإيراني ولا رغبته في تصدير الثورة، ولا سلوكه مع جيرانه، ولكنّي لا أقبل أيضا تقتيل النّاس وتخريب الحضارات، وتدمير أجزاءٍ من إرثٍ يخصّ عامّة المسلمين، ولا أحبّ أن يُقتَّل أطفالٌ في عمر الزهور وأن تُشيَّع بقايا جثثهم في مشهد مهيب، لا أحبّ أن يتحوّل العالم إلى أرض حرب، يفرض فيها الرجل الأبيض من جهة سلطته وفكره ويُحوّلنا إلى تُبَّعِ رغباته، إلى عبيد نهمِه، ويفرض فيها العدو الصهيوني من جهة ثانية سلطته وإرادته، ورغبته المَرَضيّة في سيادة المنطقة العربيّة، وقيادتها إلى حروبٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل.

لقد صار بعضهم يتباهى بقدرته على التدمير، ويهدّد بتحويل مدنٍ كاملة إلى نماذج أخرى من غزّة، كأنّ إسقاط الأرض على رؤوس ساكنيها يمكن أن يكون مدعاة للفخر! لكنّ السؤال الذي يبقى معلّقًا في نهاية كلّ حرب هو سؤال أخلاقيّ قبل أن يكون سياسيًّا، أيّ عصرٍ نعيش، إذا كان تدمير المدن وتخويف البشر وقتل التاريخ يُقدَّم أحيانًا بوصفه إنجازًا؟ إنّ المأزق الحقيقي في حروب عصرنا لا يكمن في السلاح وحده، بل في هذا الانكشاف الأخلاقي الذي يسمح للبعض بأن يرى في قرع طبول الحرب مشهدًا يستحقّ الاحتفاء، ولكن لمَ أتعجّب وقد أسفرت وثائق إبستين على أنّ سائسي العالم قتلة أطفال، ساديون، يحبون تعذيب الآخر، يتلذّذون بالتعذيب،

ولهم ميولات إلى المشاركة في اصطياد البشر، فهل هذا الأمر موصول بملل الإنسان المعاصر؟ وباكتئاب هذه الحياة؟ الناس الذين كانوا في وثائق إبستين يدفعون أموالا طائلة للسماح لهم باصطياد البشر، ألا يجدون في ساحة حرب مفتوحة مجالا لممارسة أعمالهم المرضيّة؟؟ بدأنا نتخلّص مرحليّا من فكرة الإنسانيّة لنتلبّس فكرة الحيوانيّة، الإنسان آكل لأخيه الإنسان! ثمّ، هل ذكاء الصواريخ هو ذكاء انتقاء أو هو ذكاء تدمير، هل هذا الذكاء يجعله لا ينفجر إن رأى بنتا صغيرة تحمل حافظة كتبها وتُقبل سعيدة على درسها، راغبة في بناء أمل لحياة أبهج،

هل ذكاء العتاد الحربي الجديد الذي ترسله القوى الخالية من التاريخ سيصرف النيران عن العاصمة الاحتفالية الكونية في العصر الأخميني وتنأى عن قصورها ونقوشها الدالّة على ذكاء شعوب عاشت من قبلنا وعملت ألاَّ تُفني وتَفنَى، هل ذكاء أسلحتهم يُمكن أن يحمي آثارًا باقية في تلك الأراضي التي رشّحوها مجال تجارب لأسلحتهم ولتصدير أزماتهم، ولتمكين الصهيوني منها، مَن سيحمي عواصم ونقوش وتواريخ تمثّل هويّة الإنسان في المشرق من حرب يخسر فيها أصحاب الأرض، ويظلّ مديرها في منأى من نيرانها،

هل يُمكن أن يقف الصاروخ الذكيّ أمام ساحة نقش جهان بأصفهان فيعْدل عن الانفجار لأنّه يُمثُل أمام تاريخ لا يُستعاد، أو يحوّل مساره وهو متوجّه إلى مدينة يزد، أو يرفض الانفجار وحرق المكان إذ وجد نفسه في الحدائق الفارسية أو في المدن الراجعة إلى ما قبل الميلاد؟ هل يُمكن لصواريخهم وقنابلهم وطائراتهم المخفيّة أن تقتل إرث الإنسان،

أن تغتال جلال الدين الرومي أو سعدي وحافظ الشيرازيين أو فريد الدين العطّار؟ عندما تضع الحرب أوزارها، ويموت البشر وتُحرَّق البلدان هل سيذكر التاريخ فاعليها بخير وعظمة؟