الاقتصاد والسلام والتنمية

10 مارس 2026
10 مارس 2026

في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة حاليًا تبرز على الساحة الاقتصادية العديد من التساؤلات المتعلقة بانعكاسات نهج السلام على الاقتصاد والتنمية. وتعتبر سلطنة عُمان واحدة من الدول التي استطاعت -عبر انحيازها للسلام ودعوتها المستمرة لحل الخلافات مهما كانت معقدة بالطرق السلمية- تعزيز إمكانيات الاقتصاد العماني، ونشر التنمية في مختلف المدن والقرى العمانية؛ إذ إن التدخل في الصراعات الدولية أو الإقليمية من شأنه ليس تقويض السلام فقط، وإنما له أيضًا العديد من الانعكاسات السلبية على الاقتصاد والمجتمع، و«السلام» من وجهة النظر هذه لم يعد قضية سياسية فقط، بل يمكننا اعتباره مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا يُسهم في تحقيق النمو الاقتصادي، وجذب وتشجيع الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وبالتالي يصبح الاقتصاد أداة لصناعة الاستقرار، وأحد مرتكزات التنمية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي.

عندما ننظر إلى الكثير من الصراعات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية نجد أنها انعكست سلبيًا على التنمية في الدول التي انتهجت هذا النهج في حين أن الدول التي بنت علاقاتها مع الآخرين وفقًا للمصالح الاقتصادية المتبادلة، وبعيدًا عن أي توترات استطاعت تحقيق نجاحات اقتصادية عديدة، وكما يعلم الجميع فإن الصراعات لها تكلفة اقتصادية باهظة في العديد من المجالات؛ فهي أولًا: تدمر البنية الأساسية، وتُسهم في تعطيل سلاسل الإمداد، وهي ثانيًا: تحول الموارد من التنمية والازدهار والحماية الاجتماعية إلى الإنفاق العسكري، وهي ثالثًا: تُقلّص فرص نمو الاستثمار، وتُسهم في هروب رؤوس الأموال، وكل هذه الجوانب تؤثر على النمو الاقتصادي وعلى التعليم والصحة والتنمية فضلًا عن الابتكار والبحث العلمي وازدهار المجتمع بشكل عام.

هناك العديد من المكاسب الاقتصادية نظير اهتمام الدول بالسلام وجعله أساسًا في علاقاتها الدولية؛ إذ يتيح لها ذلك التركيز بشكل أكبر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير التعليم وبناء المستشفيات وتشييد الطرق والموانئ والمطارات، وجعلها أداة للنمو الاقتصادي والازدهار الاجتماعي، وتعزيز دورها في التوظيف، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبناء المرافق الثقافية والترفيهية والرياضية، وتمكين مؤسسات المجتمع المدني من لعب دور مؤثر في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والرياضية، وهي مكاسب لا تُقدر بثمن في الوقت الذي تُهدر فيه الصراعات ثروات الأمم والشعوب، وتؤثر سلبًا على موروثاتها الحضارية والتاريخية وتقاليدها العريقة وتماسكها الاجتماعي.

وإذا كانت بعض الدول تميل إلى اقتصاد «الصراع» وافتعال الحروب والأزمات باعتباره أداة للنمو الاقتصادي -خاصة الدول المعروفة بإنتاج السلاح وتصديره -؛ فإن اقتصاد «السلام» في نظري هو الأكثر نجاعة وقدرة على نشر التنمية الاقتصادية، وتحقيق النمو الاقتصادي وازدهار الدول، وهو ما ينسجم مع هويتنا الإسلامية وتقاليدنا العربية، وهو مدخل لتحقيق التكامل الاقتصادي بين مختلف الدول.

ولعل تجربة تأسيس السوق الأوروبية المشتركة بعد الحرب العالمية الثانية التي استهدفت تعزيز التعاون الاقتصادي بعد تجربة مريرة مع الحرب العالمية الثانية تعتبر مثالًا جيدًا لما نناقشه في هذا المقال، خاصة بعد النجاحات التي حققتها هذه السوق وأفضت لاحقًا إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1993.

وهناك العديد من الأمثلة العالمية الناجحة التي أسست نجاحاتها على اقتصاد السلام، وجعلته أساسًا لانطلاقتها نحو النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.

وفي اعتقادي أن العالم اليوم في حاجة للعودة إلى الحوار والتعايش السلمي، وبناء العلاقات الدولية وتأسيس التحالفات بين الدول والأقاليم وفقًا لاقتصاد السلام، فهو الخيار الذي يتيح للشعوب أن تعيش في أمن ورخاء، أما اقتصاد الصراع فهو الذي يولّد الأزمات واحدة تلو الأخرى، ويقضي على أي فرصة للحوار والتفاهم والنمو والتنمية الاقتصادية.