قَص جزيرة

07 يونيو 2026
07 يونيو 2026

1.صدأ

جاءت الأوامر الصَّارمة صريحة وواضحة من مكتب الوالي بإغلاق سوق الولاية وكل الحوانيت الصَّغيرة في الحارات والقرى والبلدات، وإيقاف عمل النَّار، والماء، والهواء، والتُّراب حتى إشعار آخر، فَقَدْ فَقَدَ أحدهم مفتاحه الغالي النَّفيس.

لكن، بعد عدَّة أيام من ذلك، استثنى الوالي التُّراب من القائمة بصورة مؤقتة نظراً لكثرة الوفيَّات وانتشار روائح عفن الجثث.

وعند حفر قبر أحدهم كان هناك غبار خانق، وأتربة تتطاير فوق الأرض السّبخة، مسبَّبة سعالاً حادَّاً وضيق تنفس مصحوباً بحوقلات، وتكبيرات، وبسملات.

في لحظةٍ ما، رنَّت الفؤوس والمجارف بما يشبه صوت جرس، وانبثق مفتاح صدئ من التراب.

2. ظهيرة

يعوزني الحَدَثُ والشَّخصيَّات والحبكة في القصَّة التي لا أعرف ما إذا كانت قصيرة جداً، أو أمثولة، أو قصيرة. كذلك أتهيَّب من الراوي العليم والراوي المُضمَر، والراوي الذي لا يعلم شيئاً، وبقية أنواع الرُّواة.

لكني أعرف أن نجوماً كثيرة سقطت على حصير مهترئ كنا قد تقاسمنا عليه وجبات متقشِّفة من الرُّز الأبيض المخلوط بِفُتات السَّمك المُجَفَّف مدهوناً بالسَّمن الذي تحضره لنا جارتنا، وحشرات أليفة تقفز وتطير في كل مكان.

ثمَّ طفا القمر على البحر في مشهد مألوف، ولا يشعر إزاءه سُكَّان القرية بالخوف ولا بالإجلال. وبعد ذلك، هوى القمر على شرشفٍ أزرق متآكل تحت ندى ليالي الصَّيف الرَّطبة.

أسلافي هناك، لا يزالون يسيرون في الليل والنَّهار، في الصيف والشِّتاء، في الجوع والقَمَر، في برزخ متكالب بين النَّدم والصلاة، لكن بشرط ألا أظهر في هذه القصة.

تقريباً، هذا بعض ما حدث، وأنا لست آسفاً جدّاً لأن هذه القصَّة ينقصها المزيد من الظَّهيرة.

3. أُم

تحت ضغط كبير من خُلَّص مستشاريه المحليين والأجانب، وافق ببعض المضض على ما ارتأوه، خاصة وأنهم يعرفون جيَّداً أنه منذ طفولته لا يحب الدَّم، ويكره مرآه. لكن من حضروا الاجتماع الذي حُسِمَ فيه الأمر قالوا إنه، لسبب ما، كان مشتَّت الذهن ولا يبدو أنه كان يعرف ما الذي سيحدث بالضبط. قالوا إنه كان ينظر إلى الأوراق التي تضمنت أحكام الإعدام وهو ساهٍ ومشتَّت، ثم أخذ يوقِّع على الأحكام في كل ورقة على حده ضمن الملف الذي رُفِعَ إليه من دون أن يقرأ أسماء المحكومين بالإعدامات. كان يضيف توقيعه على عَجَل مهرولاً بالأوراق التي كانت تتساقط من بين يديه من دون أن يقرأ.

لكنه، بعد ذلك، خرج لاهثاً مستغيثاً وهو يصرخ في أروقة وممرَّات القصر: "أُمِّي! أُمِّي! تعالي يا أُمِّي! أنا أحتاج إليك يا أُمِّي! أنا أُحبُّك يا أمي! أين أنت يا أُمِّي العزيزة"؟

نفِّذت أحكام الإعدام رمياً بالرصاص التي صادق عليها بتوقيعه في المساء نفسه، ويقال إنه لا يزال يبحث عن أُمِّه الغائبة في مكانٍ ما من القصر.

4.بروتوكول

قالوا إنه غضب على أحد الضُّبَّاط من حرسه الشخصيين، وذلك بغير سبب واضح أو معلوم في الخفاء ضمن قيلِ وقال، وحدوس، وتهامسات الضُّباط في دوائرهم الخاصة، وما أشيع من أن الضَّابط كان يعدِّل ياقة قميصه في لحظة النَّحس.

صَفَع الضابط، وأسمى أمه زانية، وأجداده أبناء زوانٍ أيضاً، وجميع أسلافه لوطيِّين، وبصق على وجهه، ثم ركله فسقط أرضاً.

وقالوا إن الضابط خرَّ وقبَّل قدميه في نشيجٍ مكتوم.

وقالوا إن الجنود أطلقوا عشرين طلقة.

وقالوا إنه لا أحد يعرف مصير الطلقة الحادية والعشرين.

5. قيامة

هكذا جاءت أنباؤهم في الأسفار.

يقودون السيَّارات الاقتصاديّة (الكوريَّة واليابانيَّة والصِّينيَّة) والفارهة (الألمانية والأمريكيَّة) في الشوارع التي تجري توسعتها وإنارتها يومياً حين يصل الاختناق والظلام إلى الحدود القصوى.

يقترضون من البنوك التي كثرت أسماؤها المحليَّة والأجنبيَّة، وازداد انتشار فروعها في البلاد، ثم يتعثرون في سداد الأقساط، فيذهبون إلى السجن.

يخونون زوجاتهم ويعتدون على محارمهم القاصرين، ويتمشون بأناقة وحبورٍ في المجمَّعات التجاريَّة وهم في أقصى التَّضميخ بالعطور الجديدة، ويحرصون على "التَّطقيم" في ما يرتدون من ثياب من قمة الرؤوس حتى أخمص الأقدام، ويستمعون باهتمام إلى الفتاوى، ويلتقون في المقاهي حيث ينشغل كل منهم بشاشة هاتفه المحمول، ويعبدون الله والملِك، ويقيمون الصلوات، ويتصدَّقون بما أمكن على الفقراء والمساكين.

هكذا جاءت أنباؤهم في الأسفار.

6. أحذية

كنت أرتشف قهوتي عند الضُّحى في أحد المقاهي حين انحبست أنفاس الرَّصيف وتسمَّرت عيناه على المطاردة. أحدهم يركض هارباً وثانٍ يتبعه صارخاً من لهاثه: "أَعِدْهُ يا كلب يا ابن الكلب"!

رأينا الأول يتخلص على عجل من زوج من الأحذية كان يحمله بين يديه، والذي التقطه الثاني، وأخذ يتفحصه، بينما اختفى الأول عن الأنظار.

عاد الثاني يمشي الهوينى وهو مقطوع الأنفاس. وحين حاذى طاولتي هَمْهَم وهو يمسح عرقه: "تَبَّاً! هذا الحذاء ليس من النوع الذي نبيعه في متجرنا"!

7. جزيرة

تقول الحكاية في نسختها المعروفة الوحيدة إنهما كانا النَّاجيَيْن الوحيدين من كارثة تحطم المركب وغرقه في إثر عاصفة عاتية لم يتوقعها القبطان؛ فقد هبَّت في غير موسمها. وقد وجدا نفسيهما في جزيرة خضراء صغيرة ناتئة مثل زائدة دوديَّة في آخر البحر، وليس فيها سوى عشب، ونباتات، وأشجار مثمرة وحصرم، وجداول وبرك ماء صغيرة.

لكن العجيب الغريب في الأمر - هكذا تضيف الحكاية- أن تلك الجزيرة لم تأت على ذكرها الأطالس منذ عهد بطليموس وحتى الآن، ولا كتب الجغرافيا، والتاريخ، ومغامرات الرَّحالة والمستكشفين، ولا العقائد والأيديولوجيَّات، ولا الأساطير، والرِّوايات، والأفلام، والأشعار، أتت على ذكر أي شيء يمكن الاعتداد به.

لا أحد يعرف شيئاً عن الوقت والدَّهر. وتقول الحكاية إنهما لا يزالان هناك.

Image