غيابه حتف ومجيؤه هلاك
02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026
(1)
يقول الأعمى: دَع المُبصِرين يعيدون النَّظر في الدُّروب والحتوف.
(2)
كم من الوقت تبقَّى في الضَّنى يا هذه المحارة، يا هذه الهاجرة؟
(3)
يتفيَّأون الحَطَب ويفتعلون الرَّماد، والأنباء هائلة.
(4)
التَّاريخ أردأ المصانع (تمامًا، مثل الكتب التي تتحدث عن التَّاريخ، والأسفار التي لا تكتب التَّاريخ).
(5)
لم يعودوا يتذكرونكِ أيتها السِّدرة الكبيرة التي كنتِ تأخذين جنائزنا وهي تخرج من مسجد القرية إلى الرِّيح.
وأنا في ظِّلك الجليل، الآن، أسهو، وأموت.
(6)
كل هذه الحياة تمضي انتظارًا لجنازة عظيمة لن يحضرها سوى من قتلوك.
(7)
بالنِّسبة للأشجار، الموت مُجَرَّد طور آخر.
(8)
لم يتغيَّر شيء في مطلبي القديم من العالم يا حبيبتي الجديدة: أن أنام.
(9)
إني أشربُ ماء الخنجر ودم الصَّخر أيَّتها العامريَّة الجديدة.
(10)
يا الله، كم هي اللعثمة، وكم أنا في حِلٍّ من الصَّفح والفصحى.
(11)
إلى أن تموت، عليك كراهية، وبغض، واحتقار، ومقت، وازدراء، وحقد على ثلاثة أشخاص على الأقل، وذلك بصورة في أقصى التَّطرف، والضَّغينة، والغل.
من لا يستطيع أن يفعل ذلك بثلاثة أشخاص (في الأقل، وكلٌّ حسب حياته) فليس من الضَّروري جدًّا أن يموت أصلًا.
(12)
ما هو أسوأ من عدم الالتقاء بالأصدقاء لمدة طويلة هو التقاؤهم لمدَّة تطول.
(13)
أعظم السَّكرات: ملاكٌ كهرماني اللون، وسحابة تتلوَّن بين الأبيض والرَّمادي والأزرق، وحجاب لا لون له.
(14)
عليه أن يحدث صدفة وبغتة مثل الرَّكض المُسرنَم إلى نافذة الصَّالة في شقة في الدور العاشر للتَّيقن من أن السماء البعيدة لا تزال بعيدة، وأن الأرض النَّائية لا تزال تغور.
وليس عليك أن تهتم بحقيقة السماء بعد الدور العاشر، ولا بحقيقة الأرض بعد الدَّرك الأسفل.
(15)
في هذه الشَّقة الصَّغيرة الكثير من الرُّطوبة، والوحشة، ورائحة السمك المشوي، والقليل منكِ ومني في الهواء المغرورق.
(16)
لم يعد الموت يستطيع أن يكون في مكانٍ آخر (ولا أنا أريد غير ذلك).
(17)
كل إحباط خشوع، وكل خشوع صلاة: هكذا يتخلص المرء من شيء آخر في كل مرة، ثم يعود بحثًا عنه.
(18)
خلال فترة اجتياح وباء «الكورونا» للعالم، وتشديد الإجراءات الاحترازية للحيلولة دون العدوى، كنت بصدد الدخول إلى مجمع تجاري، هنا في مسقط، بعد أن كنت قد تريَّضتُ عَدْوًا خفيفًا على رصيف قريب.
عند إحدى البوَّابات المُفضِيَة إلى المجمع التجاري، استوقفتني موظفة الأمن والسَّلامة، وسألتني عن الكمامة وسبب عدم وجودها على وجهي، فاعتذرت وأخرجتها من جيبي الذي كنت قد نسيتها فيه، ووضعتها على وجهي.
قالت لي الموظفة مبتسمة: «في هذه الأيام الكمامة أهم من الأوكسجين»! ذهلت للطَّاقة البلاغيَّة في عبارتها، وعجبتُ من تعالي وغطرسة الشعراء، واستحضرت مقولة روبير بريسون: «سوء ظن غبيٍّ بالأشياء البسيطة».
(19)
تعليق قصير حول حادث صغير:
أن تُذِلَّ من أذلَّك هو الحد الأدنى، وأن تكون الحريَّة للجميع هو ما لديك من حَدٍّ أدنى (أيضًا).
(20)
في هذه الليلة يتبرعم النِّسيان، ولا يريد أن يكون صورة في قصيدتك.
(21)
الموسيقى تعويضٌ باسلٌ عن كل شيء (باستثناء شيء واحد فقط).
(22)
كُلُّ حقيقة فضيحة. كُلُّ فضيحة كانت قبل ذلك.
(23)
لا احتمالات أخرى أمام البحر.
(24)
الكتابة إقصاء (أنا لا أؤمن بذلك)، والحب كارثة (أنا أؤمن بذلك).
(25)
أهِمُّ بلا لُغةٍ، بلا نصر، بلا حياد، بلا جياد، ولا خسارة.
(26)
تكتئب القواقع في السِّر، والسِّتر، والثِّياب، والارتئاب، والرئة الثَّالثة.
(27)
صار الهَجْرُ ممكنًا من دون التَّهجي.
(28)
لا يفكِّر بالموت ولا مرة واحدة، وهو في كل الموت في كل يوم.
(29)
كلُّ نصيحةٍ اعتداء سابقٌ ولاحق.
(30)
يفتك بنا القَتَلَة من قبور الشُّهداء.
(31)
يتحلَّلُ الأصدقاء قبل العتاب، وقُبيل الغيب.
(32)
لا بد أن بعض الآخرين يعانون بعض ما تقاسي. لكن المشكلة هي أن نفس الأوجاع لا تحمل ذات الأسماء في الحالتين.
(33)
لا يسعف هذا النَّبيذ ذِكر القِطاف.
(34)
الأسى آخر رصاصة ذهبيَّة، وهذا القتلُ يعوزهُ التَّرتيب.
(35)
أنا أُدركُ فَحْواي، وأنتَ تعرفُ فحمَك.
(36)
صار الزَّمن يَتَجاوزنا إلى ماضينا.
(37)
-- إلى متى؟
-- إلى ألا يعود هذا سؤالًا ممكنًا.
(38)
الإنسان كائن جديد (الليلة فقط، ومن دون أي تمديد).
(39)
أتهجاكِ في الحِلِّ عن كل ما هو غير ذلك.
(40)
يأتون بالعدل والأقساط بعد أن سرقوا القسطاس.
(41)
لم يعد في وسع المرء أن يفعل شيئًا واحدًا من دون الشُّعور بالنَّدم (بما في ذلك كتابة هذا).
(42)
الحب صياغةٌ أخرى (بعد الثانية، ثمَّ الثَّالثة، قبل الأولى).
(43)
مرحى له: يُقاضينا، ذلك الطائر المهيض، في قبور أسلافه، وأجدادنا.
(44)
هذا كتاب مؤسف للغاية يتضمن حوارات معه صدر بعد وفاته. كيف يمكن لك أن تفضح شخصًا، بكل هذه الوقاحة، حتى وهو في القبر؟
يتغلَّب البهلوان حتى على البهلوان، وصار القبر من شؤون تاريخنا الذي لا يكتبه أحد.
(45)
يا كل سنين العمر، القافلات والقادمات، هاك اثنين من شعاراتي الجديدة في الحياة.
الأول هو: «في سن السِّتين يبدأ شعور المرء بأنه فتى. ومع ذلك، بعد فوات الأوان» (بابلو بيكاسو).
أما الثاني فهو: «من المُشين أن يقيم المرء فترة طويلة على هذه الأرض، ويعيش قليلًا» (ميلان كونديرا، الذي لا أغض النظر أبدًا عن «إسرائيليَّته»، وينبغي التَّذكير بذلك دومًا بغض النَّظر عن السِّياق).
(46)
أعرِفُهُ جيَّدًا: غيابه حتف، ومجيؤه هلاك.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
