جُزر متناثرة فوق اليابسة

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

مريع ما يحدث في الضفة الغربية! والصمت الرسمي والشعبي عما يحدث هناك يؤكد أن الفجوة تتسع كل يوم بين ما يكابده الفلسطينيون على أرضهم من جهة، وأقصى ما يدركه العالم عن حقيقة واقعهم من جهة أخرى. والمأساة أن الفلسطينيين باتوا أنفسهم يدركون بأن الإحساس بهم يزداد صعوبة، حتى على ذوي الضمير المتيقظ. 

يعترضني سؤال أبحث عن إجابته مع القارئ: كم صحفيًا عربيًا زار الضفة الغربية كي يوثق ميدانيًا ما يحدث هناك، أسوةً بالعديد من الصحفيين الغربيين؟ سيجادلُ البعض في معنى ذلك، في ضرورة أن يغامر صحفيون مستقلون بالذهاب إلى فلسطين المحتلة ما دامت الصورة تصل من هناك بأبلغ ما يكون التصوير جودةً وحرارةَ ألوان. وأقول إنني بت أشكُّ حتى في ذلك، أشكُّ في أن الصور قالت كل شيء. هناك ما لم نره بعد. وربما تكون إرادة الفعل مرهونةً بذلك الذي لم نتمكن من رؤيته بعد في الشاشات. أما تصوير الإبادة وبثها على مختلف القنوات والوسائط، بمختلف الانحيازات والنوايا، فليس بعيدًا أن يكون جزءًا من سياق تعمية وطمس بطيء للحواس. 

منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو التي باتت الأرض الفلسطينية بموجبها جزرًا متناثرة فوق اليابسة، والضفة الغربية تتآكل بالمستوطنات بصورة متنامية ارتفعت وتيرتها بوحشية خلال الأعوام الأخيرة. بعد الانتفاضة الثانية، تنامت الحركة الاستيطانية مع جيل جديد من المستوطنين الذين بالكاد تجاوز بعضهم سن المراهقة. يطلقون على أنفسهم «شبان التلال» ويصفهم إيال وايزمان في كتابه «أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي» بالمتحمسين الرافضين لثقافة أهليهم الاستيطانية الحضرية التي ترى في الحدود البرية ضرورة. لا يؤمن هؤلاء الشبان بالحدود. وحسب وايزمان فهم «متأثرون بأسطورة الأبطال الغربيين ذوي القسوة والغلظة وأسطورة الصهاينة الرواد في بدايات القرن العشرين». 

في أكتوبر العام الماضي نشرت مجلة «نزوى» بتوصية من آفي شلايم شهادة من الضفة الغربية بعنوان «نافذة غرفتي هي عالمي»! وهي مادة ضرورية لمن أراد أن يفرك عيونه جيدًا كي يرى ما لا تقوله نشرات الأخبار والتقارير الرتيبة. وقد اكتفت الكاتبة بوضع الحرفين الأولين من اسمها (ش. د) تحت عنوان المقالة، وفي ذلك دلالة مفهومة. لم ترد الكاتبة إشهار اسمها خشيةً من الانتقام، فشهوة الانتقام كانت ولا تزال في أوجها بين الإسرائيليين بعد صبيحة السابع من أكتوبر 2023. والانتقام -كما هو معروف- يلاحق الفلسطينيين في الداخل والخارج ليصيب أي شيء تطاله يد الصهاينة من خصومهم: السمعة والوظيفة ومنحة الدراسة... وحق الحياة أولًا وأخيرًا. وهذا ما دعا الكاتبة أيضًا إلى تجنب ذكر أسماء الناس الذين كتبت عنهم في شهادتها التي تتنقل بين مخيمات الضفة وحواجز جيش الاحتلال. 

تصف الكاتبة كيف يراقب الإسرائيليون حركة كل شيء في الضفة، فتلك الجغرافيا تصلح عينةً نموذجية لكل ألوان السلطة والرقابة الحيوية التي تحدث عنها ميشيل فوكو، بدءًا من رقابة الأجساد وحركة الأموال والبضائع، وصولا إلى رقابة النفايات! فبين كل حاجز وحاجز نصب الإسرائيليون حاجزًا جديدًا بعد السابع من أكتوبر. أما سهولة العبور والتنقل بينها فتعتمد دائمًا على «الحالة المزاجية للجنود ومقدار صبرهم ومدى استعدادهم لإظهار شيء من اللين في ذلك اليوم». 

حين يعجز الفلسطيني عن إشهار هويته، حتى وهو يسرد معاناته، بصفته ضحية لا مقاومًا هذه المرة، فهذا يؤشر على مرحلة خطيرة من مراحل مصادرة الهوية الفلسطينية. إذ لم يعد المقاتل الفلسطيني وحده من يلف اللثام على وجهه حتى لا تلتقط ملامحه العيون ولا تنال منه كاميرات المسيرات، فقد صار الفلسطيني المقتول أو الجريح المستغيث هو الآخر مطالبًا بالاحتجاب. إنه الإمعان في الإخراس، وفي استلاب حتى الحق في الألم... الألم الذي صار جزءًا عضويًا من الهوية الفلسطينية. 

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني