صناعية المعبيلة وصبر أيوب

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

تنبأت أن أحتاج إلى طُولة بال وصبر أيوب، كي أصل بسرعة إلى صناعية المعبيلة، كنت أعلم أنني ومن أي الاتجاهات أتيت، لا بد وأن أُواجه ازدحامًا مُضجرًا، فمن ذا الذي سيسقط في تلك المعمعة، ولن يرتفع لديه الضغط والسكر والملح والكوليسترول، ويبلغ التوتر بأعصابه مُنتهاه، فيخرج عن طوره؟!! 

بعد الصلاة توجهت إلى هناك، في السيارة فتحت على قناة «مونت كارلو» الفرنسية، كانت تبث تقريرًا حول موجة الحر التي تعصف بأوروبا، وعدد القتلى الذي خلفته. في الشارع كان يُصطف عدد هائل من المركبات، توقف السير كالعادة عند دوار الصناعية المختنق في الغالبِ، لكن وبعد نصف ساعة تفككت بؤرة الازدحام، فانسللتُ منها إلى وسط المنطقة. 

ساعة السيارة تشير إلى ٥:٣٢ دقيقة، غايتي كانت الوصول إلى محلات النجارة، فأصطحب أحد النجارين إلى البيت، لإصلاح خلل بعض الأبواب. بدأتُ مشوار البحث بين الشوارع الداخلية، فلم أصل إلى الوِجهة المطلوبة إلا بعد ساعة من المحاولات، لم تكن توجد لوحات تحمل أرقامًا أو مُسميات، تسهل العثور على مواقع المحلات. 

سألت أحدهم: أين تقع محلات النجارة؟ رد: اذهب إلى الرقم ٣، ووصف لي كيفما تأّتي المكان، بحثت ولم أهتدِ إليه، عُدتُ أسأل آخر السؤال نفسه، فأرشدني إلى الرقم ٧، ثم وجهني ثالث باتجاه الرقم ٥ لكن بلا فائدة، قررت أخيرًا أن أبحث بنفسي، حتى عثرت على الشارع الذي توجد به محلات النجارة. 

في أحد المحلات سألت نجارًا: «وين مكتوب رقم مال شارع، عشان ما يجلس يدور منيه منيه؟»، رد: «ما فيه مكتوب رقم، انته بس اسأل نفر وهوه فيه خَبّر». أيقنت أنه لا وجود فعلًا للوحات تحمل أرقامًا أو مسميات تسهل مهمة الوصول للمحلات. 

أفاد أن العمال وزوار الصناعية الدائمين، يعرفون مواقع المحلات بأرقام تبدأ من الرقم ١ لكنها «غير مكتوبة»، وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل كتابة الأرقام أو تسمية الشوارع الداخلية بالصناعيات مضنِ لهذا الحد؟ هل هم مُضطرون لكتابتها بلغة تُنطقُ ولا تُكتب أو لا تحمل تقليدًا كتابيًا كالشحرية مثلًا؟ هل فكروا أن يكتبوها باللغة الهيروغليفية ثم استخاروا، فرأوا ألا يخاطروا بذلك؟ 

شرحت للنجار العمل المطلوب منه، اشترط أن يأتي نظير ٥ ريالات على أن أقِلهُ بسيارتي ذهابًا وإيابًا، وعندما ساومته لتخفيض المبلغ رد: «هذا آخر كلام، إذا كان يريد ولا روح شوف نفر ثاني». انهزمت أمام ابتزازه فليس لدي خيار آخر، اصطحبته، توجهنا للبيت، رجل بان عليه التعب والإرهاق، وآخر تمكنت مُنغصات صغيرة من الإطاحة بما تبقى من صفاء ذهنه. 

عُمر العبري كاتب عُماني