حين يصبح المكان شخصية!

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

في جلسة «عين الطائر» التي استضافها النادي الثقافي الثلاثاء الماضي طرح القاص يحيى سلام المنذري مداخلة عن حضور مكان عُماني مثل وادي عدي في الأدب العُماني، لا سيما القصة، ضاربًا أمثلة بكتّاب عُمانيين عاشوا فيه وكان له حضور طاغٍ في كتاباتهم، من بينهم القاصون محمود الرحبي وأحمد الرحبي والمنذري نفسه، إلى جانب الشاعر سيف الرحبي، إضافة إلى قاصين آخرين استحضروا عوالم قصصهم من هذا المكان تحديدًا رغم أنهم لم يعيشوا فيه، كحمود سعود صاحب المجموعة القصصية «أحلام معلقة على جسر وادي عدي»، وحمود الشكيلي في نصه «قصة الحدث كاملة». 

وليس وادي عدي وحده هو الحاضر بكثافة في السرد العماني، إذ تبدو مطرح ومسقط القديمة أشد حضورًا منه، وتحضر المعبيلة بدرجة أقل، بما يذكرنا بمدن عربية وعالمية كان لها هي الأخرى تأثير كبير على الأدباء، لأن لها حضورًا تاريخيًّا، وسطوة بصرية وإنسانية إلى درجة يصعب معها على القاص أو الروائي أن يكتفي بجعلها مجرد خلفية للأحداث، إذ ما تلبث أن تفرض سحرها وفتنتها الكبيرة وتصبح شخصية من شخصيات العمل الأدبي رغم أنف الكاتب. 

ولعل الإسكندرية المصرية من أبرز الأمثلة على ذلك، فقد صارت واحدة من أكثر مدن العالم حضورًا في الأدب، بدءا من قسطنطين كفافي الذي كتب: «ستؤدّي بكَ السبلُ، دائمًا، إلى هذه المدينة فلا تأملنّ في فرار» حسب ترجمة سعدي يوسف لإحدى قصائده عنها، ومرورا بــ«لورنس داريل» صاحب «رباعية الإسكندرية»، الذي أعاد تشكيل صورتها أدبيًّا باعتبارها مدينة للحب والأقنعة والتعدد، ونجيب محفوظ الذي كتب عنها في روايته «ميرامار»، وإدوار الخراط في روايتيه «ترابها زعفران» و«يا بنات إسكندرية»، وإبراهيم عبد المجيد في ثلاثيته الإسكندرانية، وهي «لا أحد ينام في الإسكندرية» و«طيور العنبر» و«الإسكندرية في غيمة»، وليس انتهاء بيحيى سلام المنذري نفسه في قصته «بعيدا عن شاطئ الإسكندرية». 

ولكن لماذا يكون لبعض المدن سطوة على الأدباء أكثر من غيرها؟ يعود ذلك في رأيي إلى ما تختزنه من تحولات تاريخية، وتناقضات اجتماعية، وتفاصيل حسية قادرة على تحريك الخيال. فالمدينة التي تجمع في شوارعها بين القديم والحديث، والمحلي والوافد، والغنى والفقر، والسكينة والصخب، تمنح الكاتب مادة ثريّة تنشأ منها الحكايات والشخصيات والمواقف. ويزداد تأثيرها حين تكون لها شخصية واضحة تتجلى في عمارتها، وأحيائها، ومقاهيها، وأسواقها، وروائحها، وأصواتها، وإيقاع الحياة فيها؛ فتتحول من مجرد مكان إلى كائن حي يتنفس ويفرح ويغضب ويؤثر في الشخصيات، ويعيد تشكيل وعيها، ويوجه اختياراتها ومصائرها. 

وإلى جانب المدن التي تفرض سطوتها على أجيال من الكتّاب، هناك مدن اقترنت صورتها الأدبية بكاتب بعينه، حتى بات من الصعب تخيل هذا الكاتب بدونها أو تخيلها بدونه، إما لأنه أكثر من كتب عنها، وإما لأنه أبرز من التقط روحها ووصف بيوتها وشوارعها وأزقتها. هل يمكن مثلا تخيل القاهرة وحاراتها من دون نجيب محفوظ، أو طنجة من دون محمد شكري، أو دبلن من دون جيمس جويس؟ ولا أظن أن شناص كانت ستحتل هذه المكانة في الذاكرة السردية العُمانية لولا قصص عبدالعزيز الفارسي، ولا أن «مجز الصغرى» كانت ستكتسب هذا الحضور لولا كتابات عبدالله حبيب. 

قال حمود الشكيلي معلقًا على مداخلة المنذري وموجهًا خطابه إلى أولئك القاصين الذين عاشوا في وادي عدي وكتبوا عنها بكثافة: «هذي منطقتكم، والله يهنيكم ياها»، ورغم أنها عبارة قيلت من باب المزاح، وتنم عن ظُرف قائلها، إلا أنها تكشف في العمق كيف تستطيع الكتابة بالفعل أن تمنح المكان ذاكرة أوسع، وحياة مديدة في وجدان القراء. 

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني