فاتورة

31 مايو 2026
31 مايو 2026

1. قتل

صوَّبتُ إلى صدره مباشرة ببندقيَّة «الكَسْر»، فسقط من أعلى النَّخلة إلى الماء البارد في عزِّ الصَّيف، فانشغلت بقتل غيره. وعندما نفدت ذخيرتي التفتُّ فراعني أنه يستحم في حوض المزرعة التي كان ينشر فيها الدم والرِّيش الأسود.

نظرت إليه بغضب، ونظر إليَّ بكراهيَّة. وقفتُ أتأمله، وصار ينظر إليَّ وهو يحاول الوصول بسباحة عرجاء إلى حافة الحوض.

ثم ارتأينا أن ننسى الأمر بِرُمَّته.

2. تَعَبٌ

هو الآن ميت بكل المعاني الممكنة للكلمة، ووجهه المستطيل المجدور ذو اللحية القصيرة يبدو بشوشًا، وطِّيبًا، ومستسلمًا، وقد بانت أسنانه الصفراء والمتسوِّسة المتبقيَّة من خلال انفراج شفتيه المتشققتين قليلاً في ما يشبه ابتسامة حزينة، أو فَرِحَة، أو شامتة، وأنا لا أظن أنه يتذكرني.

كان مُمَدَّدًا على ظهره، ويداه وقدماه مفرودة بأقصى الاتِّساع الممكن مثل المسيح، وأنا أرى ابتسامته الغامضة بوضوح على الرغم من حلكة الليل البهيم، وأحاول أن أحمي جثمانه العاري تمامًا من أفكاك أسماك القرش التي تكاد تتسلق جانبي قاربنا الصغير في البحر الهائج.

وإذا به يسألني بطريقة لا مبالية اشمأززتُ منها وكرهتها بالنظر إلى أنني في ظرف عصيب أحاول فيه أن أحمي جثته من أسماك القرش وأسعى بجهد جهيد إلى أن يظل القارب طافيًا على الماء: «ترى، هل تتذكره»؟!، فأجيب بمزاج نافد الصبر: «نعم يا أبي، أقسم لك بالله العظيم أني أتذكره»!

3. نعش

يقف نعشكَ ظامئا، ومرتجفا، وحانقا، ومهجورا، واستفزازيَّا عند الغافة الأخيرة.

يقف الأب، والأم، والإخوة، والأخوات على حفرتك لدى الغافة الأخيرة. لا أحد يكتفي بما أتيح من المعاول، والأجداد، والأرغفة، والمخطوطات، والحِراب عند الغافة الأخيرة.

4. ميراث

تزوَّج علانية، وسِرَّا، و«متعة»، و«مِسيارا» سبع مرات من أجمل العذارى ذوات الجمال، والشَّرف، والحسب، والنَّسب فيما يحيطه من بلدات ومدن.

ومن تلك النِّسوة الحِسان أنجب سبعة من الذُّكور الوُسَماء والإناث الفاتنات. وكان كلما أنجب بنى بيتا شاهقا في مزرعةٍ غَنَّاء لكل من الأولاد والبنات.

وعندما مات، تضاربت الأنباء حول وصيَّته بين من يقول إنه لم يكن مكتوبا فيها أي شيء، وبين من يقول إنهم وجدوا فيها ما لم يتوقعه أي أحد.

5. فاتورة

من دون أن أعي، قادتني قدماي إلى هنا، كما يحدث في كل ليلة، وكما أقاوم الأمر في كل مساء. لكني اعتقدت، ولو لِوَهلة، في هذه الظُّلمة تحديدا، أن لديَّ العذر الأكثر وجاهة لهذا المجيء المغناطيسي. ومع ذلك فأنا لا أعرف حقَّا كيف تحدث الأشياء على النَّحو الذي تحدث به، أو لا تحدث بالصورة التي لا تحدث بها. في أية حال، أنا أشرب الكثير من الخمر، ولست معنيَّا بذلك أكثر مما ينبغي.

هنا قصفٌ، وشتائم بذيئة، وضحكات وقهقهات فاجرة، ونكتٌ جنسيَّة، وعراكات صغيرة وكبيرة، وبقعتا دم على الزاويتين العلويتين من قميص النادل الأبيض، وليس هذا كل شيء.

جلست، كعادتي، على مقعد دائري طويل القاعدة، وعديم الذراعين، إلى المشرب تحت ضوءٍ كالح من تلك التي تتفنَّنُ هذه الحانة في توزيع أضوائها على الجدران، والوجوه، والقناني، بصورة فيها الكثير من الذوق البصري الحَسَن وتحفيز الرغبة في مزيد من الشَّراب، وكل ذلك مصحوب بنوع من الموسيقى والأغاني يجعلك تستمع إليه من بعيد، وكأنك في مكان آخر. لا أدري كيف يفعلون ذلك في كل ليلة.

فكرت، بعد كأس آخر وبضع حبَّات زيتون من الواضح أنها منتهية الصلاحيَّة، ومُكَسَّرات فاسدة، بامرأة كانت ترافقني في معظم الليالي إلى هنا قبل حوالي عشر سنوات، ولم أعد أعرف عنها شيئا. والحقيقة هي أني لم أهتم بمعرفة أي شيء عنها، كما هو من الواضح أنها لم تهتم بي أيضا، وإن كنت لم أنسَها تماما.

أظن أن اسمها كان «حوَّاء»، أو «شيماء»، أو «زهراء»، أو «نصراء»، أو شيء من هذا القبيل على هذا الوزن. وكانت جميلة جدا، وهذا شيء حرصتْ، في كل الليالي، على عدم التَّستُّر عليه أبدا. وكانت، أيضا، سريعة التأثر حتى بأقل المشروبات كحوليَّة؛ فتهذي كثيرا عن نفسها وعني بأنني إنما أجيء إلى هذه الحانة في كل ليلة بالضبط والتحديد بغرض اصطياد المزيد من العاهرات صغيرات السن البائسات من أجل استغلالهن جسديَّا وماليَّا. والحقيقة هي أنني سارعت، في البداية، إلى نفي هذا الاتهام الجائر بكل حزم وإصرار. لكني، مع مرور الوقت، استسغته، ورحَّبت به، ووافقت عليه.

كما إنني تذكرت أحدهم وقد التاث بنوبة كرم مفاجئة؛ فدفع فواتير كل مرتادي الحانة، وأنا منهم، قبل حوالي خمس سنوات، ثم خرج مقهقها ومترنحا. سمعنا، بعد ذلك، ضوضاء في الخارج، ووجدنا صاحبنا وهو مطحون الوجه تحت عجلات سيارة إسعاف مسرعة. قيل لنا إن السَّيارة كانت قد هرعت تلبية لنداء طوارئ صدر في مكالمة هاتفيَّة من الحانة المجاورة لإنقاذ شخص يُشْتَبَه بأنه أصيب بسكتة دماغيَّة أو قلبيَّة. وفي الليالي والسنوات اللاحقة لم يأتِ ذكر ذلك الشخص في الحانة التي نشرب فيها كل ليلة.

ذهبت إلى دورة المياه التي هي نسخة رخيصة وقذرة من دورة مياه حانة الفندق في فيلم «البريق» لستانلي كوبرِك. كل شيء هنا يبعث على ضيق النفس وتكدُّر المزاج. فكرت بمغادرة هذه الحانة إلى أخرى، فلعل مزاجي يتحسن ولو قليلاً. هتفت بالنادل أن يحضر فاتورتي. وعند تلك اللحظة بالضبط جاء أحدهم من خلفي، وربَّت بيده على كتفي، وقبل أن أستدير لرؤيته قال بصوت أجش آمر: «أنا من سيدفع فاتورتك في هذه الليلة».

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني