صقر بجناحين ومخلب

07 فبراير 2026
نوافذ
07 فبراير 2026

لم يكن سعيد البيماني طالبًا متفوقًا في مدرسة «قوات السلطان المسلحة» لكنه كان أحد نجومها المميَّزين في الرياضة، لا سيما سباقات العَدْو التي كنّا نعرف مسبقًا قبل أن نخوضها أن المركز الأول محجوز له مسبقًا. كنّا ستين طالبًا التحقنا بهذه المدرسة في أغسطس من عام 1989 لِنُكمل فيها مرحلة الثانوية العامة إضافة إلى عملِنا جنودًا في سلاح الجوّ السلطاني العُماني. جرى تقسيمنا إلى ثلاثة فصول دراسية، وكلّ أربعة منّا في غرفةٍ صغيرة نستطيع أن نَعُدَّها ملتقى اللهجات العُمانية، فعلى سبيل المثال كان الأربعة المنتمون إلى غرفتي (21) ينتمون إلى ولايات سمائل وبهلا والمصنعة وصحم، أما غرفة سعيد البيماني القادم من بهلا (الغرفة 28) فكان الثلاثة الآخرون معه من بركاء والرستاق وعبري. وقد حملت تلكما السنتان الكثير من الذكريات الجميلة والسيئة لشبابٍ في مقتبل العمر يحلمون بمستقبل فاتحٍ ذراعيه، لكنّ أحدًا منهم لم يوثقها كتابيًّا قبل أن يُصدِر البيماني نهاية السنة الماضية كتابه: «صقرٌ بجناحين ومخلب: سيرة طيّار عُماني مقاتِل». 

أول ما يُلفِتُ النظر في هذا الكتاب هو الصدق الذي كتب به البيماني ذكرياته، دون ادعاءات بطولة زائفة ولا تضخيم لإنجازاته التي حققها طوال أكثر من ثلاثين عامًا من الخدمة العسكرية، رغم أنها إنجازات تستحق حقًّا أن يزهو بها صاحبها؛ فقد تخرج ضابطا من كلية سلاح الجو الملكي البريطاني في عام 1993، وطيارا مقاتلا في عام 1995، وعمل في الأسراب المقاتلة على طائرة الـ«جاكوار» لمدة أحد عشر عاما، كما عمل مدربًا للطيران الابتدائي على طائرتي الــ«موشاك» والــ«برافو»، ومدربًا للطيران الأساسي على طائرة الـ«بي سي 9»، ومدربًا للطيران العملياتي على طائرة الـ«جاكوار» قرابة عشرين عامًا. والتحق بكلية القيادة والأركان المشتركة الأسترالية عام 2010، وكلية أركان الحرب الجوية بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 2019، وتحصّل أثناء ذلك على أربع شهادات ماجستير، قبل أن يتوج مسيرته العلمية بالدكتوراه من جامعة قطر، كما حضر عددا من الدورات التدريبية والمهنية ونال ميداليات الثناء السلطاني والخدمة الممتازة والطويلة قبل تقاعده في رتبة عقيد ركن طيار عام 2021. 

كل هذه النجاحات لم تمنعه من الاعتراف بأن نتيجته في الثانوية العامة كانت متدنية وبالكاد تمكّن من النجاح، ولم تمنعه كذلك من الحديث عن «قلق الفشل» الذي كان ينتابه - وكثير من زملائه - طوال سنتَيْ الدراسة في تلك المدرسة، لأن معايير النجاح واختيار من سيكونون ضبّاطًا بعد هاتين السنتين لم تكن واضحة، بل ونلمس الصدق حين يروي كيف أن عددًا كبيرًا من طلاب المدرسة - هو أولهم - قدموا من بيئات لم تعرف بعدُ - في ذلك الزمن البعيد - قماش الـ«تيوبو» ولا نعال الـ«ريكر» ولا مصرّ الـ«تورمة». 

لا بد أن أشير هنا أن مدرسة قوات السلطان المسلحة كانت موضوع فصل واحد في هذا الكتاب، وثمة فصول أخرى لا تقل أهمية، لكني أركز عليه في هذه المساحة القصيرة لأنه الفصل الذي لامَسَني شخصيًّا، وقرأتُه بكثير من الحنين، كوني كنتُ أحد الشهود على ما ورد فيه من حكايات وذكريات. استعدتُ حصص المشي العسكري كل أحد وثلاثاء، وتفتيش الملابس يوم السبت، والغرفة صباح كل اثنين، تذكرتُ المطالعة المسائية الإجبارية في المدرسة مساء كل يوم من السابعة إلى التاسعة، عدا يوم الاثنين الذي كان مسموحًا لنا فيه الخروج من قاعدة غلا الجوية عصرًا على أن نعود قبل التاسعة، فننتهز الفرصة لنشاهد فيلمًا في سينما النصر أو سينما النجوم، أو نتسكّع في مجمّع «أوكي سنتر» (هكذا كان يسمى وقتها) أو مجمع الحارثي، ونختم النزهة بعشاء في مطعم في الغبرة كنّا نعدّه في ذلك الوقت من أفخم المطاعم. تذكرتُ العقابَ الجماعي الذي يحيق بالجنود المتأخرين عن الطابور الصباحي، أو المخالفين للقوانين العسكرية، من وقوف طويل تحت أشعة الشمس اللاهبة، إلى الجري عشرات الدقائق حول مضمار ألعاب القوى، إلى حمل صندوق الأغراض الشخصية أو «السحّارة» والمشي بها في أرجاء القاعدة، إلى «مشي البطة» في الميدان الفسيح. استحضرتُ صورة جورج؛ صاحب المحل والمطعم في قاعدة غلا الذي كان يبيعنا كل ما نحتاجه من محله ومطعمه بالدَيْن طوال الشهر، فإذا ما حان وقت استلام الراتب باليد، حضر بدفتر ديونه الضخم ليحرمنا من فرحة استلامه كاملا. 

لغة الكتاب سهلة رقراقة، بعيدة عن التحذلق أو محاولة الزخرفة، وتوصل الفكرة بوضوح، وقد دعّمه البيماني بكثير من الصور التي توثق هذه السيرة المهمة، وافتتحه باعتذارٍ للقارئ ينمّ عن تواضع جم: «أرجو أن تتقبله كما هو، فلقدراتي الأدبية والبلاغية حدود، وأنا بإخراجي لهذا الكتاب لست بصدد منافسة كبار الكتاب والأدباء بقدر رغبتي في تقديم تجربة شخصيّة وجدتها جديرة بالتوثيق»، وهي جديرة حقًّا بالتوثيق، لأنها تختزن خبرة جيل كامل، وتروي قصة نجاح صُنِعتْ بإرادة وإصرار وعمل دؤوب.