أن تقع في حب «البروفايل»

07 فبراير 2026
07 فبراير 2026

حين أكتب «حُب» فإنني أجاهد ألا تقع الكلمة في المجاز بقدر الإمكان. ولكن كم تبدو هذه الكلمة الحلوة والسهلة المتحورة في معانيها وفقًا للظروف والمزاج كلمةً مخلوقةً من المجاز أصلًا، كلمة شاردة، ولا يشدها إلى الواقع سوى الاستيهام. ربما على المرء أن يقنع باستخدام مصطلح عملي موضِعي، وأقرب ما يكون للغة الطبية مصطلح مثل «العلاقة العاطفية» بدلًا من الحب. يكتب عبدالله حبيب في إحدى يومياته: «حب؟ كلا، ليس هناك من حب! هناك أقنعة حقيقية وصادقة للرغبة...»، وأعتقد أنني أوافق على هذا المعنى، فلنترك «الحب» شيئًا من أشياء الشعر فحسب. 

أما في ظل السطوة التكنولوجية التي نعيشها، وانجراف حياتنا شيئًا فشيئًا من الواقع إلى الافتراض، ومن الأصل إلى الصورة، ومن الإقامة إلى العبور فإن زيجمونت باومان في «الحب السائل» يستكثر على العلاقات التي تنشأ في ظلال الحداثة السائلة وصفها بالعلاقات حتى، فيكتفي بالتعبير عنها على أنها «صلات واتصالات» لا أكثر، وذلك مع ما يرافقها من تحول ما يُسمى بـ«المجتمع» إلى «تجمُّع» بشري ليس إلا. 

ماذا عن العلاقات الافتراضية التي أصبحت هي النوع السائد على حساب العلاقات الواقعية المباشرة؟ هل يمكن الحديث عن «حب افتراضي»؟ هل يمكن تخيل الحب ممكنًا وحقيقيًا وصادقًا في ذلك النفي القاسي للجسد؟ لعل من حسنات هذا النوع من العلاقات أنه يطوّر اللغة بقدر ما يقصي الجسد؛ إذ لا حيلة له ولا قوة خارج اللغة. تعتمد حياته وتدفقه وتجدده على الكلام وإمكانياته. فيما يزداد الجسد ابتعادًا وانتفاءً خلف الشاشة المضاءة تحاول اللغة استحضاره وبثَّ الوجود فيه عبر المحادثة الرقمية؛ حيث الكلمات تسدُّ حاجات الجسد إلى جسد الآخر. 

وكأن الحب يصبح تجربة ذهنية بمرور الوقت.. حالة داخلية نشطة في عزلة مكتفية بما يقتات عليه العاشق الرقمي من «بروفايل» الشخص الآخر حيث المتخيل أكثر من الواقعي، بل هو أهمُّ وأولى من الواقعي، وحيث المخاطرة أقل؛ فالجسد مسيج ومحمي خلف شاشاته من غير تعرّض، وليس مطالبًا بالانكشاف إلا عبر الصورة التي يختارها. أنت صورتك في العلاقة الافتراضية، وأنت إبداع الآخر. وحين يُستهلك المتخيل وينضب في علاقة من هذا النوع فإن إلغاءها عبر كبسة زرّ أو استبدالها بعروض أخرى هو أسرع طريقة للتجاوز والعبور. ذلك ما يصفه باومان باعتصار الغرابة من «الآخرية» والتخلص من الغلاف الخارجي اليابس، وهو ما يصدر عنه متعة الإشباع، متعة تتبدد بمجرد انتهاء المهمة». بينما لم تكن الانفصالات بهذه السهولة في علاقات الحب الواقعية الموشومة بذكريات وندوب ورهانات يتدخل الواقع في صياغتها، ويدفعنا التخلي عنها إلى وداعات مريرة قد تفشل فتمنحنا فرصة جديدة لإصلاح العلاقة. 

ليس غريبًا بعد اليوم أن يشتكي الرجال والنساء من افتقاد الطرف الآخر إلى الأسلوب والمهارات الملائمة لإدارة العلاقة على أرض الواقع، ولمهارات اجتماعية أساسية (مهارات علاقات عامة إن صح التعبير) تُكتسب بالاحتكاك اليومي مع البشر. لا بدَّ أن نتوقع تلاشي هذه المهارات كما تتلاشى الكثير من الحرف اليدوية بعد كل ثورة صناعية، ويتحول الإنسان إلى الداخل أكثر فأكثر، إلى أن يصبح أعزلًا ووحيدًا وحبيس نفسه. كيف نتوقع شكل العلاقات العاطفية في المستقبل، في الوقت الذي تكبر فيه أجيال من الشباب والشابات على تقاليد العلاقات الافتراضية وطقوسها، دون الاضطرار إلى المواجهة المباشرة؟ وما هي المهارات التي سيخسرونها في غرف عالم الافتراضي بعيدًا عن حرارة التماس الواقعي، المهارات التي لا يمكن تعويضها أو تعلمها بسهولة في وقت متأخر حين يتحتم اللقاء أو المواجهة المباشرة بعد سنوات من «الحب الرقمي»؟! هذه تساؤلات مفتوحة على الخيال العلمي الذي يعدنا في المستقبل بأجساد اصطناعية توفر اللذة وتلغي الآخر تمامًا.