الخليج.. الفكرة وقلق المستقبل
18 أبريل 2026
18 أبريل 2026
في الخليج -أو في ما بات يُعرف بالخليج- لطالما كنا نتساءل قَلقًا عن كفاءة البُنى السياسية والاقتصادية التي نهضت عليها بلداننا بعد الاستقلال، وبعد عقود من تشكل ملامح الدولة المركزية في ست دول صاغت مطلعَ الثمانينيات تكتلها السياسي والاقتصادي بإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي وفَّر لها تمايزًا هوياتيًا عن الهوية العربية المشتركة. وُصفت هذه المنطقة النادرة السكان كما لو أنها تطفو فوق الصحراء المخزونة بالبترول. هكذا يتخيلها الهاربون من عذابات أوطانهم، وعدًا بالمستقبل بفرص العمل والرواتب المجزية والثراء السريع، ومن أجل هذا الوعد مات أبطال غسان كنفاني اختناقًا في صهريج الماء أثناء عبورهم الصحراء الكويتية.
قلقُ المستقبل ظلَّ شاغلًا مؤرقًا حتى في أكثر لحظات الوفرة. والسؤال الهاجسُ كان سؤالًا عن أصالة هذا النموذج من الأساس عن رسوخه وحدود قوته، وعن مدى مرونته في الاستجابة للصدمات الجيوسياسية التي تحوم على تخوم هذه المنطقة وتراودها من حين إلى حين. نعم، ربما لم يجرأ التعبير العام على تصعيد هذا القلق الخفي إلى مستوى النقاش السياسي الحقيقي والحاسم، وربما وُظف في كثير من الأحيان ليتناغم مع الخطابات الرسمية ووعود تنويع مصادر الدخل، إلا أنه ظل يعتمل ببطء في خلفية الوعي الجمعي للمجتمع الاستهلاكي في الخليج، بل يتسرب إلى نظرة أبناء الخليج لأنفسهم، ويلقي بظلاله على ثقتهم بهذه الهوية الحديثة.
الأيامُ الأخيرة -أيامُ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي طالت شظاياها عواصم دول الخليج- أعادتنا بقوة إلى شرط الموقع والإحساس بالجغرافيا بصورة لم نعهدها في ذاكرتنا القريبة منذ أن أوهمتنا العولمة بالتعالي على الجغرافيا قَدَر الأمم كما كان يسميها شارل ديغول. حقًا إن الحرب مناسَبة للإحساس بالجغرافيا المنسية، كي نتذكر كل هذا البحر الذي كنَّا روَّاده وأسياده، ولكي نتذكر معجزة المضيق المفتوح كشريان دقيق بيننا وأسطورة الجوار الفارسي.
مع ستينيات القرن الماضي وبفضل ثورة النفط وثروته بدأت فكرة الخليج وتشكلت أولى ملامح النموذج. لا بدَّ من قبول حقيقة كهذه والتصالح معها بين سكان الخليج أولًا، وذلك حتى لا تظل مدخلًا لازمًا للابتزاز والتنابز من قبل الآخرين، أو مدعاةً لما كان الأديب العماني عبدالله حبيب قد أطلق عليه قبل أكثر من ثلاثين عامًا مصطلح «الاستخلاج» طبعًا على غرار «الاستشراق» الذي عرَّفنا عليه إدورد سعيد.
بات الخليج مركزًا للتجارة العالمية وموئلًا للشركات الكبرى، وذاع صيته بعد أن تحول إلى منطقة لمشاريعِ الإنشاءات العملاقة؛ حيث الأطول والأكبر والأفخم على الإطلاق. تحولات اقتصادية كبرى ومعدلاتُ نمو استثنائية على مستوى العالم، وفي ظل استقرار سياسي استثنائي أيضًا مقارنة بما يحيط به من حرائق وانهيارات ومشاريع إيديولوجية، ليبرز الخليج بوصفه «صميم رأسمالية الشرق الأوسط» وفقًا لتعبير آدم هنية في كتابه «الرأسمالية والطبقية في دول الخليج العربية».
اليوم نجد أنفسنا في «حالة من عدم اليقين» كما يسميها المراقبون الاقتصاديون المشغولون بالخليج دائمًا بوصفه منجمًا للطاقة دون اكتراث حقيقي بأسئلته الأخرى المتعلقة بأحوال سكانه السياسية والاجتماعية والثقافية. فهل ما زال الخليج وعدًا؟ وكيف يمكن لـ«فكرة الخليج» أن تستمر في المستقبل؟ الآن... الآن وليس غدًا، وإن بدا الوقت متأخرًا بعد أكثر من نصف قرن من زهو التنمية السريعة وتطاول العمران وشموخ الزجاج، نجد أنفسنا جيلًا جديدًا يجابه هذه الأسئلة المصيرية. ومن حق أبناء هذه المرحلة، بل من واجبهم الوطني أن يواجهوا بكل صراحة أسئلة المصير.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
