دعوى صادمة
18 أبريل 2026
18 أبريل 2026
وصله الاستدعاء ظهر يوم الخميس، طُلب منه الحضور صباح الأحد، استدعاء أثار لدى الرجل جملة من التساؤلات والمخاوف، تساؤلات حول أسباب استدعائه، مخاوف من خطأ ارتكبه سهوًا، قد يعرضه للمساءلة القانونية.
يومان من القلق الذي لا يستكين، يحاول تذكر أي حادثة تجاوز فيها حدوده، كلام جارح خرج من لسانه فورطه، مزحة لا يقصد الإساءة منها فُهمت بصورة خاطئة، لا يستبعد الرجل بعد تجاربه الحياتية المريرة أي احتمال، هذا الزمن «أغبر» ضاقت فيه صدور الناس ونفد صبرهم، زمن تحتاج فيه لعُمر كامل لتميز صديقك من عدوك، حبيبك من مُبغضك.
أقبل الأحد عليه ثقيلًا، باكرًا اصطحب ابنته وتوجه إلى الجهة القضائية، في الممرات تلتقي عيناه وجوها صارمة، أخرى معتكرة، ملامح لا يتعذر قراءتها، وبعد انتظار لم يدُم طويلًا، أُبلغ بطبيعة الدعوى المقدمة ضده، دعوى تقدم بها شخص لم يخطر له على بال.وجه الموظف إليه الحديث: الشخص المُدعي عليك هو ابنك، يطالب الابن بالحجر عليك، مخافة سوء تصرفاتك في ممتلكاتك، يقول إنه يخشى أن تُفضي تصرفاتك إلى تبديد هذه الممتلكات.
للوهلة الأولى بدا الرجل غير مُستوعب لما سمعه، طلب من الموظف إعادة الجملة الأخيرة، أعادها لكن بنبرة اختلطت فيها الحيرة بالغضب، اصطنع ابتسامة، وجه إليه المزيد من الأسئلة التي لم تزد الرجل إلا دهشة، قال الرجل العجوز: عجيب أمر هذا الابن، يخشى على ممتلكات لا يملكها، والمالك والده لم يزل على قيد الحياة!!
بعد حوالي نصف ساعة، استوعب طبيعة دعوى ابنه وماذا يريد، انتهت الجلسة، شكر الموظف الخلوق على جميل تعامله، تأبط ذراع ابنته وهو يطلب منها أن تقوده خارج المكتب.
طافت في ذهن الرجل أسئلة كثيرة: هل أنا مجنون بحق؟ ما الذي دفع به ليطالب بالحجر علي؟ لكنني لم أزر يومًا مستشفى للمجانين! هل ارتكبت معصية أغضبت الخالق وهو الآن يجازيني فيمن أحب؟ هل يكون ذلك بسبب زواجي؟! لكن ألا يحق لي كرجل وحيد، رحلت زوجته وتركته وحيدًا أن يتزوج بأخرى تؤنس وحشته؟ لماذا فكر في نفسه وتجاهل أنني أفنيت حياتي لينعم وإخوته بحياة كريمة؟ هل أستحق منهم كل هذا العقوق؟
والسيارة تبتعد عن مقر الجهة القضائية، وتندفع في الشارع المزدحم متجهة غربًا، تأملت الابنة قسمات والدها المُتكور بجسده الضئيل على الكرسي الذي على يمينها، كان ينشج نشيجًا مُرًا، والدمع يخضّب لحيته البيضاء، طبطبت على كتفه، لكنها لم تعثر على كلمات تُعيد بها ثقته إلى من حوله، كانت تراقبه وحزن دفين يعتصر قلبها.
النقطة الأخيرة ..
قال النبي عليه الصلاة والسلام : «الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنةِ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفَظهُ».
عُمر العبري كاتب عُماني
