تساقط الحسابات..

17 أبريل 2026
17 أبريل 2026

يصعب -ربما- احتواء كل الحسابات، أو الحديث عن كليّتها، ولذلك فما يهمنا هنا أكثر: هي الحسابات الشخصية، والحسابات الشخصية هنا أيضا هي تلك المتعلقة بما يفهم أنها حقوق عند من يتمسك بها، بغض النظر عن تفنيد هذه الحقوق، بمعنى هل هي حقوق مقننة وفق تنظيم معين: كالحق في العيش، والأمان، والعمل، والحياة الكريمة لكل فرد من الأفراد، أو هي تلك الحقوق التي يتمسك بها الفرد نفسه -من وجهة نظر شخصية- ويرى فيها أنها حق من حقوقه، كمظان النفس التي تشعر الفرد نفسه بأن له ديونا على آخرين ولا بد من استردادها مهما كلفه ذلك، أو هي المصنفة وفق أعراف تقليدية، وتفاهمات بين مجموعة معينة من الناس، لا تعني مجموعات أخرى، إذن المسألة متشعبة، وتخضع لكثير من الاعتبارات، والتقييمات.

تحضر الكرامة كواحدة من الحقوق الشخصية، أكثر منها حقوق عامة؛ لأنه في لحظة فارقة التي يقاتل فيها الفرد لكرامته، فهناك من حوله يرون في هذا الاقتتال شيئا من المبالغة، وقد يقولون: «فلان يبالغ أكثر من اللازم» بينما هو يرى في ذلك الاقتتال مسألة حياة أو موت، ومن هنا تظهر مجموعات التباينات بين الأفراد في مسألة تقييم الحسابات الشخصية -على وجه الخصوص- فما أراه فرضا - في مسألة ما، يراه آخرون نفلا في ذات المسألة، ولأنه حسب تقييمي له «فرضا» فإنه ليس من اليسير أن أتنازل عنه، أو أسقطه من حساباتي الشخصية، مهما كلف ذلك من تضحية، ونعود لذات اللحظة الفارقة في مثل هذه المواقف، فاللحظات الفارقة هي التي لا تترك خيارات كثيرة للناس للأخذ والعطاء، فإما أن تكون، أو لا تكون، ولذلك فكثير من الناس ذهبوا ضحية لمواقفهم؛ لأنهم في تلك اللحظة الفارقة لم يستطيعوا أن يسقطوا حساباتهم الشخصية لـ«خاطر» فلان من الناس، أو لـ«خاطر» مجموعة من الناس، وقد يحدث العكس أحيانا.

يقال: في المواقف الصعبة التي تتداخل فيها المصالح وتلتحم فيها المجموعات، تساقط الحسابات الفردية لصالح المجموع، حيث تذوب القناعات الشخصية أمام قوة الجماعة، لا سيما عندما يجد الفرد نفسه وحيدًا في مواجهة فكرة تتبناها المجموعة بأكملها، ولذلك في التمثيل العام للوفود - على سبيل المثال - لا يحبذ إطلاقا إرسال شخص واحد أو اثنين لمسألة تفاوضية ما، تؤول نتيجتها لصالح طرف ما فقط، فهذه خطورة كبيرة على المصالح العامة، سواء على الدولة، إن كان الفريق يمثل دولة، أو على مجموعة.

السؤال المهم هنا أيضا: متى يمكن أن يسقط أحدنا حساباته الشخصية، ويفضل قضية الآخرين على قضيته تحت معنى «يضحي»؟ أستشعر أن هذا الموقف ليس يسيرًا على الإطلاق في الحالات العادية، وأعني بالعادية هنا «الوضع الطبيعي» الذي تكون عند أحدنا المساحة الآمنة ليقول فيها كلمة «لا» أو «نعم» بدون أن يستشعر بأي ضغط كان، وهنا؛ إن حدث ذلك أي «التنازل» فإن ذلك يمثل قمة الشجاعة والحكمة والتعقل، أما عندما يحدث ذلك في الحالات الحرجة، وهي الحالة التي يكون فيها الفرد بين أمرين: «يكون أو لا يكون» فإن لذلك تقييمات أخرى فـ «المرء في المحنة عيّ» والعي هنا: عدم القدرة على الإحاطة الشاملة بالموقف الحاصل في حينه، ولذلك فهناك الكثير من تسامى على حساباته الشخصية في مثل هذه المواقف الـ«حرجة» فدفع ثمنا باهضا تبين له ذلك بعد فوات الأوان.

من الجمل التي قرأتها - لست أدري من قائلها-: «كن ظهرًا لمن خلفك، وسندًا لمن بجانبك، الرجولة في المواقف، لا في الأقوال». أتصور أن تحقيق هذا المعنى يمكن أن يكون عندما يكون أحدنا في الحالة الطبيعية، كما جاء الشرح أعلاه، أما في المواقف الحرجة فإن في هذا الأمر «مغامرة» غير محسوبة العواقب.