أنا اسمي مكتوب؟ طيب.
"المشكلة الأكبر في النظام"، هكذا تخلص رسالة تلقيتُها قبل أسبوعين من طالبة دراسات عليا تعقيبًا على مقالي "الاسم الذي سُرِق من البحث". تقول الباحثة إنه فيما يخص استيلاء بعض الأساتذة على جهود طلبتهم فإن الخلل -في رأيها- يتجاوز فكرة أن ما يحدث مجرد ممارسات فردية أو نتيجة شيوع ثقافة أكاديمية معينة، إلى ما هو أعمق من ذلك: إلى أنظمة جامعية تبيح هذا كله، بل وتفرضه أحيانا على الجميع؛ الأستاذ النبيل الذي يضع حقوق الملكية الفكرية نصب عينيه، والأكاديمي الفاسد الذي لا هَمَّ له إلا سرقة جهود طلابه وزملائه.
تقول إنها حين كانت تدرس الماجستير لم يقدم المشرف الأول على رسالتها توجيهات فارقة في البحث، وكانت ملاحظاته محدودة، ومع ذلك هي لا تنكر أن مجرد قراءة بحثها من أكاديمي معتبر وإجازته له أمر مهم لأي طالب دراسات عليا. ثم تضيف أن الصورة تختلف كثيرا حين يتعلق الأمر بالمشرف الثاني، أو الثالث إن وجد. فمن خلال تجربتها الشخصية وتجربة غالبية زملائها، لا يكون لهذين المشرفين في الغالب إسهام حقيقي يُذكَر في البحث، إلا فيما ندر. وتوضّح ذلك بالقول إنه عندما اكتملت رسالتها اعتذر مشرفها الثاني عن قراءتها بسبب انشغالاته العلمية والمهنية، لكن النظام، مع ذلك، ظل يجبرها على إضافة اسمه. وتضيف أن الإشكالية هنا لا تبدو لها كبيرة ما دامت الأسماء ترد بصفة الإشراف، لأن العلاقة الإشرافية قائمة في نهاية المطاف، حتى لو تفاوتت درجات المساهمة. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عند مرحلة نشر أوراق علمية مستخرجة من الرسالة، وهي مرحلة يُطالَب بها خريج الدراسات العليا. ففي هذه الحالة تُنشَر الورقة باسم الطالب والمشرفين باعتبارهم مؤلفين مشاركين، بغض النظر عن عدم إسهامهم الفعلي في البحث. وهنا تحديدا يصبح الخلل أوضح، لأن الأسماء لا تدرج هنا كإشراف، بل كتأليف ومشاركة علمية.
لنفهم المرارة التي تتحدث بها هذه الطالبة علينا العودة إلى معايير فانكوفر للتأليف، كما ترد في توصيات اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية (ICMJE)، إذ تنص على أنه لا يُعدّ الشخص مؤلفًا للبحث إلا إذا استوفى جميع الشروط الآتية مجتمعة: أن يكون قد أسهم إسهامًا جوهريًا في فكرة العمل أو تصميمه، أو في جمع البيانات أو تحليلها أو تفسيرها؛ وأن يكون قد شارك في كتابة المسودة أو مراجعتها مراجعة نقدية ذات قيمة فكرية؛ وأن يكون قد وافق على الصيغة النهائية المعدّة للنشر؛ وأن يقبل تحمل المسؤولية عن جميع جوانب العمل، بما يضمن فحص أي مسائل تتعلق بالدقة أو النزاهة ومعالجتها على نحو مناسب. وبناءً على ذلك، فإن مجرد الإشراف الإداري، أو توفير التمويل، أو جمع البيانات وحده، أو المراجعة اللغوية، أو الإشراف العام على فريق البحث، لا يكفي بذاته لاكتساب صفة المؤلف ما لم يقترن باستيفاء بقية الشروط المقررة. ومن قدّم إسهامًا لا يرقى إلى هذه المعايير يُذْكَر عادة في قسم الشكر والتقدير لا في قائمة المؤلفين.
وأعود إلى رسالة الباحثة التي لا تكتفي بإلقاء لوم الاستيلاء على جهدها على المشرفين وحدهم، بل تتعدى ذلك إلى النظام الأكاديمي نفسه، الذي يفرض ذلك ويتيحه، والطالب لا يملك في العادة أن يعترض. فهو يعرف أن اعتراضه ليس فقط لن يغيّر شيئا، بل سيكلّفه أيضا كثيرا على المستوى الدراسي، لذلك يجد نفسه مضطرا إلى الرضوخ والقبول بما لا يراه منصفا.
تحيلني شهادة هذه الطالبة إلى دراسة عن التأليف المشترك نشرت في مارس الماضي في دورية «دراسات في التعليم العالي» للباحثَيْن بروس جون ماكفارلين، وجيسون يونغ-تار، تناولت تجارب أكاديميي التربية في بدايات مسيرتهم المهنية في هونغ كونغ وكندا والمملكة المتحدة. تحدثت هذه الدراسة عن أربع صور شائعة من التأليف المشترك غير الأخلاقي يواجهها الباحثون المبتدئون: المَنْح القائم على السلطة، حين يُدرج اسم أكاديمي أقدم أو مشرف في البحث من دون إسهام حقيقي يبرر التأليف؛ والترتيب القائم على السلطة، حين يستولي صاحب النفوذ على مرتبة متقدمة في أسماء المؤلفين، وأحيانًا يكون هو المؤلف الأول، رغم أن الجهد الفكري والعملي الأكبر أنجزه الباحث الأصغر؛ والمنح القائم على المحاباة، حين يوضع في البحث اسم زميل مقرّب أو شريك شبكة لا لما قدّمه من عمل فعلي، بل بدافع العلاقات؛ وأخيرًا الترتيب القائم على المحاباة، حين يُعبَث بترتيب الأسماء لمصلحة شخص قريب، لا بما يعكس حجم إسهامه الحقيقي.
ثم تشير الطالبة في رسالتها إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بعمل الطالب في وظيفة "مساعد باحث" في بعض المؤسسات الأكاديمية. وما يحدث في هذه الحالة أن الطالب قد يبذل جهدًا كبيرًا فعلا؛ إذْ يكتب فصل الدراسات السابقة، أو يجمع البيانات، أو يحللها، أو ينجز مهامّ أساسية في المشروع، لكن اسمه لا يضاف في كثير من الأحيان إلى البحث النهائي، وتقول إنها تعرضت هي نفسها لهذا الظلم، وحين قررت فتح الموضوع مع مشرفتها الأكاديمية انفعلت الأستاذة وبررت الأمر بأن الطالب ليس من حقه إضافة اسمه في البحث، لأنه يعمل بمقابل، وعمله مدفوع الأجر. ذكرني هذا على الفور بالباحثة العُمانية التي استولى البروفيسور المشرف على بحثها في مقالي السابق. فقد استولى المشرف على بحثها، ونشر مقدمة الأطروحة على هيئة فصل في كتاب دولي، واضعًا اسمه مؤلفًا أول، واسمها مؤلفًا ثانيًا، ثم أضاف اسم زميله باعتباره مؤلفًا ثالثًا، وحين اشتكتْه إلى إدارة المؤسسة الأكاديمية انبرى خبير قانوني من تلك المؤسسة إلى تذكيرها بأنها كانت تعمل بوظيفة "مساعد باحث" عند المشرف، وتتلقى راتبًا شهريًا طيلة ثلاث سنوات، وبذلك فإنه لا يحق لها النشر أو الإفصاح عن نتائج البحث الخاص بأطروحتها! وكأن تَقاضي الأجر يُستخدم ذريعة لنفي الحق في الاعتراف العلمي حين يتعلق الأمر بالطالب فقط، رغم أن الأساتذة يُدفع لهم أيضًا أجرا في مقابل العمل على المشاريع البحثية، ومع ذلك لا أحد يلغي أسماءهم من البحوث.
وفي السياق نفسه، تذكر الطالبة في رسالتها أن أستاذتها أخبرتهم بأنها تنشر سنويا مئات البحوث، بل فتحت أمامهم إحدى منصات قياس الأثر العلمي لتريهم حجم منشوراتها. وكان العدد، كما تقول، صادمًا بالنسبة إليهم، لأننا لا نتحدث عن مقالات عادية، بل عن بحوث علمية، في الوقت الذي يكون فيه الأكاديمي منشغلا كذلك بالتدريس والمهام الأكاديمية والإدارية المتعددة، فمن أين تجد الوقت لكل هذا؟
وتضيف الطالبة أنه تصادف بعد ذلك أن عُقد مؤتمر علمي شاركت فيه الأستاذة نفسها بما يقارب عشر أوراق بالتشارك مع باحثين من عُمان ومن دول عربية أخرى. وكانت طالبة الدراسات العليا آنذاك تحاول أن تتعلم من أساليب الأساتذة العلمية، فتتبعت هذه الأوراق العشر، ولم تجد أثرا فعليا للأستاذة إلا في حدود ثلاث ورقات تقريبا. وتقول إنها وصلت إلى هذا الاستنتاج من خلال تتبع أسلوبها البحثي في الأوراق، ومقارنة مستوى تلك الأوراق بعضها ببعض، وملاحظة التفاوت الكبير بينها، وهو ما أوحى لها بأن الاسم قد يدرج أحيانا في مثل هذه الشراكات على سبيل المشاركة الاسمية فقط، في تعاون شائع بين باحثين كثيرين.
ومنذ ذلك الوقت -كما تقول- ترسّخ لديها شعور بأنه لا شيء أسهل من أن يكون للأكاديمي آلاف الأوراق البحثية المنشورة في مسيرته العلمية، من دون إسهام حقيقي يذكر في عدد كبير منها.
آثرتُ أن أعرض هذه الرسالة هنا لأنها مهمة. فهي لا تكتفي بوصف الممارسات، بل تحاول أن تردّها إلى أصلها: إلى النظام نفسه؛ نظام يجعل من الطبيعي أحيانا أن يضاف اسم من لم يسهم، وأن يحرم من الاسم من أنجز عملا حقيقيا، وأن تتحول الشراكات العلمية في بعض الأحيان إلى تبادل أسماء أكثر من كونها تبادلا للجهد والمعرفة. وحين يصبح إدراج الأسماء واستبعادها جزءًا من فلسفة المؤسسة، لا مجرد انحراف من بعض الأفراد، فإننا نكون في هذه الحالة أمام مشكلة حقيقة تستحق أكثر من وقفة.
