إلى أين سيذهب 65 ألف طالب وطالبة ؟

14 يونيو 2026
14 يونيو 2026

بزيادة تبلغ 10.451 طالبا وطالبة، وبنسبة تقارب 19%، ارتفع عدد المُتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم هذا العام 2026-2027، مقارنة بالعام الذي سبقه، وهو أمر يستدعي قدرا هائلا من الاستعداد يتجاوز الاكتفاء البارد بإبداء الدهشة! فمن المؤكد أنّنا لم نجد أنفسنا بين ليلة وضحاها أمام 65.307 طالبا وطالبة هذا العام، مقارنة بـ54.856 طالبا وطالبة في العام الدراسي 2025/2026، فهؤلاء لم يهبطوا علينا من السماء على حين غرّة، لقد كانوا بيننا منذ ثمانية عشر عاما تقريبا، مُسجلين في سجلات المواليد، يكبرون عاما بعد آخر، على مرأى من أعين الجميع. لذلك لا يمكن النظر إلى هذه الزيادة كأرقام عابرة، وإنّما باعتبارها مؤشرات ديموغرافية تستوجبُ القراءة الجادة والتخطيط المُبكر، لا سيما إزاء السيناريوهات التي ستترتب عليها!

فإذا كان مركز القبول الموحد قد أتاح في عام 2025/ 2026 نحو 27.977 مقعدا دراسيا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستتسع الخطط الحالية لمواكبة هذا النمو المتواصل في أعداد الخريجين؟ وهل تخضع أعداد المقاعد المخصصة للتعليم العالي لمراجعة تنسجم مع التحولات الديموغرافية والواقع السكاني المتغيّر، في ظل محدودية البعثات الخارجية وتزايد الاعتماد على الاستيعاب الداخلي والبعثات المحلية؟

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: ما الخطة المُرتقبة لدى مركز القبول الموحد إزاء هذه الزيادة التي تجاوزت عشرة آلاف طالب وطالبة؟ ففيما لو استندنا إلى عدد المقاعد التي تمّ تدبيرها في الأعوام الماضية، فإننا سنبدو كمن يقول لنصف من قضى اثني عشر عاما من حياته في التعليم: عودوا آمنين إلى منازلكم! لقد انتهت رحلتكم التعليمية عند هذا الحد.

والمسألة هنا لا تحتكم إلى إخفاقكم -معاذ الله- وإنّما إلى أعدادكم المتناسلة التي باتت تفوق ما تسمح به المقاعد المتاحة! فمن حظكم العاثر أن تولدوا ضمن دفعة، تُحققُ هذا العام رقما مُرعبا لأول مرّة في تاريخ خريجي دبلوم التعليم العام!ناهيك عن القصّة الأخرى المُتعلقة بالبعثات الداخلية، والتي يُحقق الطالبُ لأجلها أعلى النسب ويخوضُ سباقا مُضنيا من المنافسة، ثمّ يجد نفسه مضطرا للتنازل عن المقعد، لا تعففا وترفعا، وإنّما ضعفا ورهبة أمام متطلباته الباهظة التي تفوق قدرته المالية؛ من تكاليف الإقامة والمواصلات إلى أبسط مستلزمات العيش اليومية.. هكذا يتجاوز الأمر مشقة الحصول على المقعد إلى كلفة الصمود من أجله !صحيح أنّ العالم بأسره يواجه تحديات تتعلق بالبطالة وتوفير فرص العمل، غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يُفضي إلى خلطٍ مُتعمد بين مسار التعليم ومآلات سوق العمل على نحوٍ يُفرغهما من المعنى..

فالتعليم حق للجميع، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى التزام ضمني بالتوظيف، فالاستثمار في الفئة العمرية الواقعة بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين ليس مجرد توفير مقعد دراسي، بل هو استثمار في صمامات أمان المجتمع قبل أي شيء آخر.

علينا فقط أن نتوقف عن التعامل مع الطلبة كشيء فائض عن الحاجة، وأن نكفّ عن الحلول الترقيعية؛ فالأجدر أن يدخل الباحث عن عمل معترك الحياة مُتسلّحا بشهادته، لا مراهقا هشّا وتائها.. فاحتواء هذه المرحلة العمرية هو إنقاذٌ للشباب اليافع وتهذيبٌ للجموح.

فترك الشباب خلال هذه المرحلة الحرجة، خارج مسارات التعليم والتأهيل والتدريب يُعرّضهم لخطابات الذئاب المُتصيّدة، التي تغرز سنارتها في أنهار إحباطهم وفراغهم، فتجرفهم خارج طبيعتهم، ليصبحوا فريسة سهلة لآفات المخدرات أو للانضواء تحت رايات اللصوص، وغيرها من أشكال الاستلاب الذي لا يتسللُ عبر البشر الفاسدين وحسب، وإنّما ينبثقُ كمياه سامة من الفضاءات الرقمية المفتوحة التي تنالهم حتى في غرف نومهم؛ فلا تحدّهم الحدود ولا تلجمهم الجغرافيا المتباعدة!

هذه الأرقام، بقدر ما تُضمر شعورا بالعبء والمسؤولية، يمكن أن تتحول إلى مفاتيح لمستقبل البلاد، الذي نعرفُ جيدا أنّه يستعدّ لمرحلة انفتاح اقتصادي غير مسبوق.

فما يبدو اليوم تحدّيا صعبا، يمكننا بإرادة واعية أن نُحوله إلى رافعة في سوق العمل، طبعا فيما لو صيغت السياسات الجادة التي تستوعب هذا الزخم البشري الفتي ضمن رؤية إنتاجية تُراهن على الإنسان باعتباره الثروة الأهم.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»