لصوص... لكن عظماء

07 أكتوبر 2026
07 أكتوبر 2026

يذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه «الأغاني» أن الفرزدق التقى كُثيرًا، فقال الفرزدق: ما أشعرك يا كُثير في قولك: «أريد لأنسى ذكرها فكأنما/ تمثل لي ليلى بكل سبيل». فرد عليه: أنت يا فرزدق أشعر مني في قولك: «ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا/ وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا».

ما كانت مجاملة متبادلة بين شاعرين كبيرين، إنما تعريض كل واحد بالآخر، يقول الراوي: وهذان البيتان جميعًا لجميل (ابن معمر، المعروف بجميل بثينة)، سرق أحدهما الفرزدق، وسرق الآخر كُثير.

في زماننا هذا كانت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ومقالات الصحف ستنقسم بين مؤيد ومعارض، ويستكبر قوم وصف فحول الشعراء بالسرقة الأدبية، ويتتبع صاحبنا المثقف سليمان المعمري معالم الجريمة ليوثقها. لكن الزمان كان غير الزمان.

كانت العرب تعرف الانتحال والإغارة والغصب وغيرها. وكان ذلك يُعد من العيوب، لكنه لم يكن جريمة كما هو اليوم. احتاج الإنسان لزمن طويل حتى يطور منظومة حقوق الملكية الفكرية ومفهوم السرقة الأدبية.

فمع انتشار المطبعة لم تعد الكتب تُكتب بمجهودات الوراقين أو تبرعات الموسرين. وكان من العادات قبل المطبعة أن الحاكم أو صاحب الشأن إن افتتن بكتاب دفع للوراقين لنسخه ونشر نسخه «في الأمصار». لكن الآلة العجيبة غيرت كل شيء، وجعلت ملكية الإبداع الأدبي جزءًا من منظومة حقوق الملكية.

وما زال الناس في هذا يختلفون. لكن ما اتفقوا عليه هو تجريم «الاقتباس المادي المباشر دون إشارة»، وتسامحوا مع «التناص» والتوظيف الإبداعي. فربما لو كان الفرزدق معنيًا بالدفاع عن نفسه لاحتج أنه وظف بيت الشعر في قصيدة جديدة. لكن الفرزدق كانت فيه «صلعكة وفكاهة» بتعبير د. عبدالله الطيب، لذلك كان إذا أعجبه شعر انتزعه جهرة.

فالشعر الذي عرّض به كُثير عزة لم يأخذه الفرزدق خفية، بل بحسب حكاية أخرى في «أغاني» أبي الفرج كان جميل ينشد الشعر والناس مجتمعون حوله، فلما أنشد البيت الذي عليه الحديث «أشرع إليه (الفرزدق) رأسه من وراء الناس وقال: أنا أحق بهذا البيت منك». جزع جميل وناشده الله، لكن أبا فراس لم يستجب. قال الراوي: «فمضى الفرزدق وانتحله». فما كان رجل كهذا ليدافع عن نفسه.

نرى دليل ذلك في قصة الفرزدق مع الشمردل بن شريك (المعروف بابن الخريطة)، إذ سمعه ينشد قصيدة طويلة أُعجب الفرزدق ببيت منها، فقال له: «والله يا شمردل لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن لي عرضك». فخضع الشمردل للتهديد وقال: «خذه لا بارك الله لك فيه».

فأخذه الفرزدق واستخدمه في شعر يصفه معمر بن المثنى في كتابه «شرح نقائض جرير والفرزدق» بأنه «يمدح سليمان بن عبدالملك، ويهجو قيسًا وجريرًا».

فهو لم ينتزع بيت شعر شمردل فقط، لكنه مدح به أمير المؤمنين وهجا قتيبة بن مسلم وقومه من قيس الذين حاولوا التمرد على الخليفة، وحشر هجاء خصمه جرير؛ الذي كان تورط فقال شعرًا ضمن حملة علاقات عامة حاول فيها الخليفة السابق الوليد بن عبدالملك نزع ولاية العهد من أخيه سليمان ودفعها لابنه عبدالعزيز بن الوليد.

هكذا أصبح بيت الشعر المنتزع غصبًا جزءًا من خطاب الدولة الرسمي في تمجيد الخليفة وتبكيت خصومه. هذه قضية ما كان الشمردل ليكسبها قط. أما الفرزدق فواثق من نفسه، ومذهبه قوله: «خير السرقة ما لا يجب فيه القطع».

لذلك لما أعجبه شعر ابن ميادة (الرماح بن أبرد) هدده قائلًا: «أما والله يا ابن الفارسية لتدعنّه لي أو لأنبشن أمك من قبرها». وهذا تهديد مشابه لتهديده الشمردل. فمقصوده ليس نبش القبر ذاته، إنما هجاء الميتة وذكر عرضها بالسوء. فالفرزدق هنا يستقوي على الشعراء بقدرته الفنية على الهجاء. فالسلاح شعر والمسروق شعر.

وفي ذلك تذكير لطيف بما وقع لألكسندر دوما الذي عثر على «مذكرات السيد دارتانيان» فأخذها وبنى عليها ملحمته «الفرسان الثلاثة». لم تكن المذكرات حقيقية، إنما عمل أدبي يخلط الخيال ببعض الحقيقة. هكذا لاحقت دوما تهمة السرقة رغم أنه أشار إلى المصدر في مقدمة روايته الملحمية.

لكن دوما نُسب إليه قول لافت، إذ قال: «العبقري لا يسرق. العبقري يفتح». فهو يشبه استحواذ المبدع «العبقري» بغزو البلدان وإخضاعها واستتباعها. بحسب منطق ذلك الزمان فإن الغزو يذيب الأرض المنتزعة في الدولة القديمة فتقوم إمبراطورية جديدة.

تغير الزمان وأعراف المجتمعات، فما عادت الحجج البلاغية تجدي اليوم. وربما لو واجه موليير ناقديه الذين اتهموه بسرقة مشهد مسرحي سنة 1671 بقوله وقتذاك: «آخذ ما هو لي حيث أجده»، لما أعفته هذه العبارة الرنانة من المسؤولية القانونية. لكن رغم ذلك نحن مدينون لهؤلاء العظماء الذين سرقوا قبل أن يتواضع الناس على قوانين تحدد مفهوم هذه السرقة، وللذين رأوا أن «الفن لمن يبدعه، لا لمن ينتجه».