«عناية خاصة»..فرجة مسرحية ظفارية

07 أكتوبر 2026
07 أكتوبر 2026

يتمتّع المسرح العُماني في ظفار بعدّة ميزات، من أهمها: عنايته بالموروثات والفنون الشعبية المستلهمة من منطقة غنيّة بها، وتوظيفها توظيفًا فنّيًّا، ومناقشة القضايا التي تلامس الواقع وقضاياه، وتطعيم عروضه بمشاهد كوميدية هادفة تقدّم للجمهور فرجة مسرحية.

وهذه الميزات جعلته ينجح في بناء صلة وثيقة مع الجمهور العام، وليس فقط جمهور النخبة، فحقّق حضورًا واسعًا، أنعش شبّاك التذاكر، خصوصًا عندما تُعرض الأعمال في الأعياد والمناسبات دون أن يدير ظهره للمسرح الجاد والتجريب والمدارس المسرحيّة الحديثة، فقد حاول موازنة طرفي المعادلة، ولكلّ مقام مقال.

ففي العروض الجماهيرية لا بدّ من طغيان الكوميديا على أعمال الفرق التي تقدّم عروضها في المناسبات الجماهيرية، ومن أبرزها: مهرجان خريف ظفار الذي صار موسمًا مسرحيًّا تحرص عليه الفرق المسرحية في المحافظة.

وحين جعلت هذه الفرق حضور هذه العروض يمرّ عبر شباك التذاكر، أدخلت المسرح في مجال الاستثمار الثقافي، فوفّرت دخلًا لهذه الفرق والعاملين فيها، وصنعت نجومًا عرفهم الجمهور العريض، وأحبّهم، وتابع عروضهم.

وقد أتاح لنا مهرجان ظفار الدولي للمسرح بدورته الثانية الذي أقامته بلدية ظفار الشهر الماضي، فرصة مشاهدة أربعة عروض، ومن أبرزها عرض «عناية خاصة جدًا»، الذي قدّمته فرقة الرؤية المسرحيّة على مسرح المروج مساء يوم الخميس الموافق 17 سبتمبر الماضي، وجاء ضمن مسار العروض الظفارية في المهرجان، والعرض فكرة وإخراج: عدي الشنفري، ومن تأليف: منذر السعيدي، وأداء: عبدالله مرعي، وشروفان المشيخي، وعبدالله جحنون، وهشام صالح، ومحمد بيت سعيد، وأميرة البلوشي، وديانا العلي، وخالد الصيغ، وهيثم بيت مبارك، وجهاد بيت معد.

فأمضينا وقتًا ممتعًا في متابعة أحداث العرض التي تدور في قسم العناية الخاصّة بأحد المستشفيات، وكانت البداية مع صوت جهاز مراقبة القلب ودقّاته، ثمّ إدخال مريض محمول على نقالة لسيارة إسعاف، صوتها يصمّ الآذان، مشيرًا إلى وجود حالة طارئة، وخوف، وتوجّس، وشعور بالخطر، فيوضع المريض، الذي يتّضح لاحقًا أنه تعرّض إلى حادث سير، في غرفة العناية الخاصّة، ويقوم بذلك مسعفون ذوو أجساد ضخمة جدًا، وكأننا في مشهد كابوسي نراه في المنام، وسط جوّ مليء بالتوتّر.

وتزيد من توتّره الإضاءة الوامضة الزرقاء والحمراء، التي تُسلّط على المسرح، وهي من تصميم (عمر ناجي)، فتكشف عن وجود مجموعة من المرضى الذين يرقدون في الغرفة.

ومن هذا المشهد الاستهلالي الذي يوحي بالخطر، يضعنا فريق العرض في قلب الحدث، ثم تنكشف الأضواء عن مرضى ظرفاء يضطجعون على أسرّتهم في غرفة العناية، فينقلوننا إلى أجواء مختلفة ذات طابع كوميدي، فتحدث عدّة مفارقات تتمّ من خلالها مناقشة العديد من المشكلات الاجتماعية، من بينها: حوادث السير، والعاطلون عن العمل، ورصد لأحداث تجري في مراكز صحية، وظواهر اجتماعية في بيئات العمل كالبيروقراطية، ومعاناة المراجعين بأسلوب ساخر جعل الجمهور يضحك من أعماقه، ويتفاعل مع الممثلين.

فنجح فريق العمل في توظيف الكوميديا، وجعلها في خدمة النقد الاجتماعي اللاذع، فصفّق الجمهور لهم طويلًا.

وحول تفسيره للاندماج الذي حصل بين الخشبة والجمهور، يرى الدكتور فراس الريموني أن هذا النجاح يعود لأن المخرج بنى «معادلة مسرحية تقوم على الجمع بين الكوميديا والهم الاجتماعي، وبين البساطة السينوغرافية والثراء البصري، وبين الأداء الجماعي والتحولات السريعة في الفضاء، وهو عرض يذكّرنا بأن الكوميديا ليست نقيضًا للمسرح الجاد، بل يمكن أن تكون إحدى أكثر وسائله قدرة على الاقتراب من الإنسان».

وفي نهاية العرض يجمعون حاجياتهم ويهمّون بمغادرة المكان، والمفارقة الأخيرة تظهر في المشهد الختامي حين يتّضح أن المرضى هم زوّار للمريض قدموا للاطمئنان عليه، ولكنّ حقنة التخدير جعلته يقع في هلوسة، فيعتقد أن الزائرين مرضى يشاركونه المكان.

وقد برع المخرج عدي الشنفري الذي نال عن العرض جائزة أفضل مخرج في تحريك أسرّة المرضى وتوظيفها، فتحوّلت تلك الأسرّة إلى سيارات في مشهد الحادث المروري، ومكاتب في مشاهد أخرى، وجرى تبديلها بكل رشاقة وخفة أعادت تشكيل المشاهد على الخشبة.

وأجاد الممثلون في أداء أدوارهم، وخصوصًا الفنان الكبير عبدالله مرعي، الذي يُعدُّ من نجوم الكوميديا في المسرح العُماني، فأعطته لجنة التحكيم، التي ترأسها الدكتور سعيد السيّابي، جائزة أفضل ممثل أوّل في المهرجان، مثلما نال الفنان هشام صالح جائزة أفضل ممثل ثانٍ. وساهمت عناصر العرض في شدّ أنظار الجمهور، وأبرزها السينوغرافيا التي صمّمها الفنان عمر ناجي، والمؤثرات الصوتية لعمر الشنفري، مع عزّة القاسمي التي قامت بتصميم أزياء عرض أمتع الجمهور، ونال جائزة أفضل عرض متكامل عن مسار مسابقة (مسرح ظفار)، مؤكّدًا أن المسرح متعة وفرجة جماهيريّة ورسائل اجتماعية بليغة.