إجازة من نوع خاص

06 أكتوبر 2026
06 أكتوبر 2026

في كتاب «الكاتب وعالمه: محاضرات ومقالات» يكتب مؤلفه تشارلز مورجان ضمن تأملاته النقدية فصلا بعنوان إجازة قائلا: «... ومع ذلك فإذا لم تظهر في حياة الإنسان أي أقواس فإنه يصبح مخلوقا روتينيا، ويفقد القدرة على تجديد نفسه، وهذا خطر يهدد صحة مدينتنا وسعادتها». (ص 101)

تنطبق مقولة مورجان السابقة على ما شهدته من فعاليات في شهر سبتمبر، وما تدفعني إليه تلك الفعاليات من تأمل ومراجعة. فبعد شهر حافل بمهرجانات المسرح (التجريبي في القاهرة، وظفار الدولي للمسرح، والمسرح الجامعي السابع لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في محافظة ظفار بمدينة صلالة) أعود إلى مواصلة حياتي مع الكتابة الإبداعية والمراجعة والنقد.

بعد كل غياب عن البيت، والمكتب، وتفريغ حقائب السفر، يحتاج الإنسان إلى راحة من نوع خاص؛ ليسترخي الذهن وترتخي الأعصاب، ويفتح دفاتره العتيقة ومذكراته اليومية، ومشاريع أرباع الشهور السنوية التي لا تتوقف. وهذا المعنى للراحة الخاصة لا يتحقق إلا في معنى كلمة إجازة.

وقبل أن أدخل إلى كتابة ما أريد قوله في مقالتي الأسبوعية عن الإجازة، أجدني ملزمة -لا أدري مَن الذي ألزمني بذلك غير نفسي الأمارة بالنوايا الحسنة- أن أسجل بعض النقاط على ما جاء في الفقرة السابقة.

كما لا يُخفى على أحد، أن الكثير الذي يُنشر على الفيسبوك من كتابات حول «الشللية والمهرجاناتية»، وعن ذوي الصحون المنتفعة، وحول كل ما يُنشأ من مجموعات واتساب، كلها مساحات يدور أغلب الكلام فيها عن إنقاذ المسرح، والنقد، والنص، من الكوارث جميعها، عاجلها وآجلها، وهي في الحقيقة باتت كلها حالات ثقيلة، لا طائلا واقعيا يتحقق من خلفها على أرض الواقع، بل يتنامى الشعور بالمزيد من الثقل.

حسنا، ماذا أريد أن أسجل من نقاط حول المهرجانات السابقة؟ لا شك في أن ندوة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي لها اشتغالها الفكري المعرفي العميق، وبحسب الباحث لطفي العربي سنوسي، «لقد كانت الندوة الفكرية في الواقع نقطة قوة الدورة الثالثة والثلاثين حيث تعددت الإشكاليات والأسئلة...».

والوقفة عند ملامح الدورة الثالثة القادمة لمهرجان ظفار الدولي للمسرح هي أبرز ما يمكن الإشارة إليه، فالجدل الذي أثير حول مسارات الدورة الثانية كمسار عروض النخبة، والعروض الكبرى، ومسرح ظفار، تستدعي المراجعة الحقيقية لمسميات إشكالية، وكنت قد أشرت إليها في مقالة سابقة. وقد أعيد في الدورة المقبلة تنظيمها إلى مسارات عمانية وخليجية وعربية وأجنبية، في توجه يستحق دعم بلدية ظفار، ولا سيما في الربط بين السياحة والثقافة.

بعد حضور هذه المهرجانات بقيت أسئلة كثيرة، لكن سؤالًا واحدًا ألحّ عليّ أكثر من سواه، وهو ما شاهدته في المسرح الجامعي الخليجي السابع. إن ما لفتني نقطتان: الأولى: قضايا مسرحيات الشباب المسرحي الخليجي. والثانية: غياب مسرح جامعة السلطان عن المشاركة في المهرجان الجامعي، وسوف أتناوله في مقالة أخرى.

لماذا اختار المسرحيون شباب جامعات الخليج نصوصًا تدور أفكارها حول الانتحار، والموت، ووحدة الذات، والتفكك الأسري، والاجتماعي، والغربة؟ لماذا لم يلتفتوا إلى قضاياهم الجامعية؟ في أيام دراستنا الجامعية وعلى الرغم من قتامة الواقع السياسي كنا نعيش أزهى مراحل الدراسة والتحصيل العلمي.

كان الأمل بحياة أفضل، وبصمود خاص هو ما جعلنا نتمسك بحلاوة الروح. كنا نندفع إلى القراءة، واقتناء الكتب ومناقشتها، وإلى متابعة الفنون وزيارة المعارض والأماكن الأثرية ونكتب عنها بما يتجاوز الدعاية إلى ربط ما نراه بالحياة المدنية الصاعدة التي كنا نصبو إليها.

هل جرى تغير في المواقف السياسية العربية بحيث يجد الشباب أنفسهم مدفوعين إلى رؤى مسرحية يغلب عليها العدم والاغتراب ووحدة الذات، من دون أن تتولد في مقابلها رؤى للمقاومة أو المعرفة أو إعادة بناء الذات؟ بمعنى أن قضية فلسطين زادت سوءا، وفكرة الاحتلال اتسعت وصارت أكبر من الدول نفسها، لكن حبّ العلم، وتكوين الذات بالقراءة والفنون واختبار قدرات الفكر والجسد والروح، والارتقاء بالفهم والوعي، لا صدى واضحًا لها في العروض التي شاهدتها.

كما لم أجد لهذا الطموح حضورًا واضحًا في الحوارات التي أجريتها مع عدد من المشاركين.

ربما يقال إن الواقع العربي بما يحمله من أزمات وتحولات وضغوط يدفع الشباب إلى مثل هذه الاختيارات القاتمة. لكن إذا كانت هذه الموضوعات تعبيرًا عن قلق حقيقي، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالموضوعات نفسها بقدر ما يُطرح حولها من أسئلة، وبكيفية الاشتغال عليها، وبما يُتاح لهؤلاء الشباب من أدوات معرفية وفنية لتأمل واقعهم، وما يجري فيه من متغيرات.

على المستوى الشخصيّ لم أكن متحمسة للأفكار التي قدمتها عروض المسرحيات المشاركة في المهرجان، ولم أجد وسيلة إلا التحدث إليهم بعد انتهاء حفل تتويج الفائزين، فاستمعت إلى آراء تدور أغلبها حول سؤال واحد: «لماذا لم أفز أنا وعرضي المسرحي بجائزة؟ لقد كنت أستحقها. ولماذا منحتموني المركز الفلاني في حين أستحق الأول؟».

بدا الحصول على المركز الأول غاية لدى عدد من الممثلين والمخرجين الذين تحدثت إليهم، لِما يُشكله لهم ذلك من تميز ومباهاة، لم يقل لي أحد مثلًا: كنت أريد أن أختبر هذه الشخصية، أو أبحث في هذه القضية، أو أتعلم تقنية معينة في الأداء... وإنما كان السؤال عن الجائزة.

أما الحديث عن ترقية الوعي بالقراءة والبحث في المعرفة، فلم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في ظل انتشار وسائط التواصل الاجتماعي، ومع التوسع في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار وتحليل البيانات، يبرز سؤال آخر حول مقدار ما يبقى للطالب من جهد شخصي في القراءة والتأمل وتكوين السؤال.

في كتابه الشباب الخليجي والمستقبل دراسة تحليلية نفسية اجتماعيّة (2008م) يتناول المؤلف مصطفى حجازي في الفصل الثاني الأسرة الخليجية وقضايا شباب المستقبل.

لفتني في الكتاب إشارته إلى أهم ما مرت به الأسرة العربية الخليجية من تحولات مع الانتقال من عصر الندرة إلى عصر الوفرة.

يشير الباحث إلى أثر الانفتاح على الحداثة المجتمعية، بما صاحبه من تغير في العلاقات ذات المرجعيات التقليدية (القبلية الأبوية) إلى مرجعيات أكثر انفتاحا، في حين كانت التحولات الثقافية أقل تسارعا، ولقد أدّى ذلك إلى بروز الكثير من الثنائيات في حياة الأسرة العربية الخليجية. (ص37)

وفي سياق الكتابة عن الشباب الجامعي يكتب: «جلّ الشباب الجامعي الخليجي هو أبعد ما يكون عن العنف والعدوانية في تفاعلاته مع الكبار والسلطة والأنظمة.

ما يعانيه هذا الشباب حين يتم الاستماع إليهم هو حالة المرارة والضيق والإحساس بأنّه ممنوع عليهم التعبير، أو التمرّد، واجترار المرارة والاستسلام لواقع مفروض». (ص 39) وعند هذه النقطة لم يعد ما شاهدته في العروض منفصلًا تمامًا عما يصفه حجازي؛ فالمسرح الجامعي قد يكون، من حيث لا يقصد أصحابه، أحد الأماكن التي تتسرب إليها هذه المرارة.

ربما لا تكمن المسألة إذن في أن شباب المسرح الخليجي يكتبون عن الموت والوحدة والاغتراب؛ فتلك كلها قضايا إنسانية مشروعة. السؤال هو: أين الأقواس التي تتيح لهم مساءلة ما يعيشونه، واكتشاف إمكانات أخرى للذات وللعالم؟ وإذا كانت الإجازة، بمعنى مورجان، فسحةً لتجديد الإنسان، فربما يحتاج المسرح الجامعي نفسه إلى إجازة من هاجس الجوائز، ليعود إلى وظيفته الأهم: أن يمنح الشباب مساحة للتعبير عن أفكارهم حول ما يحيط بهم في مجتمعاتهم.