«ملتقى عُمان الشعري».. صوت الإبداع الذي غاب
14 سبتمبر 2026
14 سبتمبر 2026
أذكر ذات يوم، قبل سنوات من الآن، كان هناك حدث غير اعتيادي، موسم شعر استثنائي، غير مرتبط بمراسم صارمة، ولا ببروتوكولات المؤسسة الرسمية، حدث يحدث بعيدًا عن ذلك الضجيج الذي يعلو دون مناسبة، وصراخ دون محتوى، بطله مجموعة من الشعراء -يعملون من وراء الكواليس- يحاولون إحياء المشهد الشعري الباهت، يتعلقون بأهداب الأمل، ويجاهدون من أجل متعة سمعية وبصرية، يحركهم هاجس الإبداع، ويدفعهم حبهم لعمل شيء ما يعيد الماء إلى ساقية الشعر، مجموعة من الشباب يقومون بواجب وطني، يبنون مشروعًا ثقافيًا وشعريًا بجهود ذاتية، تبهر الكثيرين، ولا يملك الآخرون أمام ذلك الإبهار إلا كلمة: (بوركت جهودكم).
***
كان (ملتقى عُمان الشعري) حدثًا استثنائيًا، يطل علينا في مواسم الحصاد، ويلقي على الشعر بُردة الكلام، يسير بإتقان، ويُشعل تلك الجذوة من العطاء، ويلتف شعراء الخليج -وأحيانًا الوطن العربي- على مائدة القصيدة، يلقون إبداعاتهم التي تؤجج المشاعر، وتزيد حماس الغاوين الذين يحتاجون إلى ذلك الدفء، والتواصل الحميمي مع الآخرين، ليعيدوا بعضًا من ألق الشِعر الذي يكاد ينطفئ، بسبب ذلك الغث من النصوص التي لا علاقة لها بشعر أو مشاعر، والتي ملأت عوالم التواصل الاجتماعي، فكان هذا الملتقى هو بوابة الانفتاح على مرافئ الخيال، ومسرحًا جليًّا يقف عليه أولئك المبدعون الذين ينسكبون على شلالات القصيدة.
***
اختفى هذا الملتقى لسنوات، بسبب قلة الدعم الرسمي والخاص، وبقي حلمًا ينتظر الانفلات من عقال البيروقراطية المقيتة، وينظر إلى سخاء القطاع الشعبي والحكومي، فلا يمكن لمشروع ثقافي (خاص) أن يستمر في العطاء دون دعم مادي ومعنوي، ولا يمكن لأي عمل شخصي أن يظل على حاله دون تشجيع مخلص وخالص يسعى إلى إحياء الساحة الشعرية التي باتت غير قادرة على إنتاج محفل إبداعي فاعل وغير تقليدي، لذلك -ومن باب أقل الإيمان- على القطاعات المجتمعية المختلفة أن تقف مع هذه المشاريع الثقافية الشبابية، وتمد لها يد العون والمساندة كي تؤدي وظيفة نبيلة تتوق لها فئة من المجتمع بمختلف شرائحها وتوجهاتها وميولها.
***
لقد أدى (ملتقى عُمان الشعري) -حينها- أهدافًا مباشرة وغير مباشرة، منها:
- تشجيع الشاعر العُماني على الظهور بشكل واثق إلى جانب الشعراء غير العُمانيين المشاركين، وتوطيد التواصل الثقافي بين شعراء الخليج.
- نقل صورة عن تفاعل الساحة الشعرية العُمانية والمجتمع مع الحدث الشعري.
- توصيل بعض الفنون الشعبية الخاصة إلى الخارج، من خلال الشعراء المشاركين والبث الإعلامي الذي يصاحب الحدث.
- نقل صورة إعلامية إيجابية واقعية عن سلطنة عُمان، من خلال الشعراء المشاركين من خارجها.
- العمل على توصيل صوت الشاعر العُماني للخارج، والاستثمار في السياحة الثقافية التي تعكس الحضارة العُمانية من خلال الشعراء المشاركين.
***
إنّ الشعر هو ذاكرة الأمة، وهو المفتاح إلى القلوب، والمسيطر على المشاعر، الذي نحتاج إليه في أحلك الأوقات، وفي أجمل اللحظات، ليعبر عن حالاتنا الوجدانية ومشاعرنا الروحية التي تسعدنا وتمتعنا دون مقابل، ولكن لكي تقوم هذه القصيدة بوظيفتها بالشكل الصحيح، علينا أن نكون أكثر قربًا منها، وأن نساندها، ولو بالقليل، كي تقوم بدورها الوجودي في دواخلنا، لذلك على المؤسسات الحكومية والخاصة ومشجعي الشعر أن يمدوا أيديهم بسخاء كي يبقى للشعر أثرٌ في زمن نحتاج فيه إلى مبدعين ينقلون رسائل المجتمع إلى العامة، ويبعثون فيهم روح الأمل والتفاؤل والحياة.
هذه الأيام، يحاول القائمون على (ملتقى عُمان الشعري) إحياء ذلك المشروع من جديد، ويطرقون أبواب الأمل، كي يعود الملتقى إلى مكانه ومكانته، ولا شك أن كل الشعراء يأملون أن يكون هناك أكثر من فعالية أو مهرجان -ذي شأن- في مختلف المحافظات العُمانية -سواء أكان رسميًا أو شعبيًا-، يقوم بدوره في رفد الساحة الشعرية بالمواهب والجمال والإبداع.. وذلك لا يكون إلا بنية صادقة، مخلصة من أجل الشعر، وللشعر فقط.
