الحنين القاسي

14 سبتمبر 2026
14 سبتمبر 2026

يقسو الحنين حينما تتعذر استعادة اللحظات المفقودة من سجل الذاكرة، فتتحول الذكريات إلى شواهد قبور لمرحلة من العمر انقضت سريعًا دون التمتع بتفاصيلها الجميلة. والأمرّ من كل ذلك أنه لا يجد من يعير تلك المرحلة أي اهتمام، أي أنها منفية من صيرورة الحياة، ومن ذكريات العقل الجمعي.

فالمتحدث عن السجل الثقافي الاجتماعي يتجاوز مرحلة الطفولة كأنها لم تكن في تقويم العمر. لكن الطفل الذي ترعرع في الطبيعة وبين الجبال والوهاد يجد صعوبة بالغة في تجاوز كل تلك المرحلة بما فيها من بؤس وشقاء ومرح وفرح أيضًا.

فالبيئة ذاتها التي كانت قاسية على الطفل في بداية تشكل وعيه، وهيمنت على تفكيره، بل وكانت جزءًا من مخاوفه، هي التي ستتحول إلى مصدر إلهام وتعافٍ، وتضبط لديه إيقاع المشاعر والأحاسيس.

هكذا يجد الطفل نفسه، بعد مرور أربعة عقود ونيف، على معايشة ذكريات المواسم وتفاصيلها، ففي هذه الأيام التي يتلاشى فيها الخريف من جبال ظفار وسهولها، تنقشع الذكريات المرتبطة به من الذاكرة، ويحضر الصرب «الربيع» بكل ما فيه من فرح، حسب القول المأثور والمنطوق من اللغة الشحرية: «إصرب بش آفلوك، إدفر يسند إنوف»، أي: «الربيع به الرخاء، المُتقاعس يشبع نفسه».

ففي الصرب يدر الضرع، ويحين الصراب، أي الحصاد للمزروعات الموسمية، ويكثر السمن، ويهدأ البحر، ويبدأ موسم فتوح البحر وقدوم المراكب المحملة بالبضائع.

تأتي العادات الاجتماعية المرتبطة بتقاليد أصحاب الإبل الذين يجتمعون في العادة المسماة «خطليت»، والتي شهدت في الآونة الأخيرة بعض الاهتمام، بسبب حضور وسائل التواصل الاجتماعي والبحث عن محتويات ثقافية صالحة للنشر والترويج.

ومع ذلك الاهتمام، إلا أن الأضواء مُسلطة على جانب أصبح مُستهلكًا من كثرة تعرضه للعرض. لأن «الخطليت» كانت مناسبة اجتماعية مرتقبة، يُشارك فيها كل أفراد الأسرة ذكورًا وإناثًا، والأطفال والشباب، فقد كانت مناسبة للقاء والتعارف والفرح، فالأطفال مع الأطفال والبنات مع البنات والشباب مع الشباب، يؤدون الأدوار الموكلة إليهم في مشهد اجتماعي متكامل، لا ينفصل فيه العمل عن البهجة، ولا تنفصل العادة عن معنى الانتماء.

تحضر تفاصيل الطفولة زاخرة بالحياة حين كان الرعاة يجتمعون، فتتحول معاطن الإبل إلى ساحات دافئة تؤثثها «الخدور»؛ ومفردها (خيدار)، وهو مسكن نصف دائري يُبنى من أغصان شجرة (الخيير). أمام كل (خيدار) موقد نار يبدد برد الليل ويُنضج الطبخ، وحوله تجتر الإبل ما اختزنته من حشائش وأوراق شجر.

فإذا سرحت النوق صباحًا إلى المراعي، غدت المعاطن فضاءً للعب والضحك، ولا سيما لعبة (الآقات) أو «اليوس» في بعض المناطق.

وفي الأيام الأخيرة من «الخطليت»، يتوغل أصحاب النوق بعيدًا، فيرسلون من يجلب المصابيح والأغطية وأواني حلب النوق، شاهدةً على بساطة الحياة وتماسك الجماعة. أما الأطفال فيستمرون في تحويل المعاطن إلى ساحة للعب، وخاصة لعبة الاختباء، وتجتمع النسوة ويسردن القصص والحكايات المؤثثة بقصص الجان وأهل الخفاء، ومع ظلام الليل وأصوات الحشرات ونور القمر، يصبح المكان أكثر ألفة وأكثر أُنسًا.

لا يُمثل استحضار هذه التفاصيل ترفًا عاطفيًا، وإنما محاولة لإنقاذ جزء من الذاكرة من عطب النسيان. لأن المواسم في ظفار كانت نظامًا للحياة وليست مجرد تبدلات في الطقس، فالمواسم حددت حركة البشر، وإيقاع أعمالهم، وأفراحهم، وصلاتهم ببعضهم وبالمكان.

ومن هنا تبدو الطفولة، رغم قسوتها أحيانًا، خزانًا روحيًا لا ينضب؛ كلما ابتعد الإنسان عنها عاد إليها باحثًا عن معنى أكثر صفاءً، وعن زمن كان الفرح فيه بسيطًا، لكنه عميق المعنى في القلب والذاكرة.