تأليب الماركسيين على نيتشه وتحريض النيتشويِّين على ماركس!
13 سبتمبر 2026
13 سبتمبر 2026
(1)
اعطني، يا غزَّة، جثة أخرى، مدينة جديدة عند أطلال أثينا، قرب النِّياط، وذهاب أمٍّ جديدة إلى حفيدها في القبر، وحتف الفلسطينيين نيابة عن حقِّنا في الموت الذي تقادم أكثر مما ينبغي، واستشهاد سقراط، وإحراق الحلاج، وإعدام تشي غيفارا، شلواً معلَّقاً بالصَّلاة المدفونة، أو دهناً سميكاً على شمعة القربان، وشيئاً من الماء العذب أو شبه المالح تحت الصَّواريخ، وبعض هذا الرَّماد والكواسر، والكثير من جَرَب العرب والكواكب والنُّجوم والرِّياح.
اعطني، يا غزَّة، ولو بعض ذلك، كي أدفن هذا الحصير.
(2)
دعوه ينام. لم يَمُت. لن يموت. لم يكن في المهمَّات، ولا الأمَّهات، ولا في الصلصال، ولا في الإصطبل.
دعوه ينام.
(3)
تصيبني هذه الواقعة بالطِّين الغزير، والزَّيت الشَّحيح، والذِّكريات غير المسؤولة، والمغادرة الوشيكة.
يبعث الأبُ الولدَ إلى الجحيم، والابن يتقرفص في مواء القطط، وفي صمت الحليب.
(4)
لستُ شجاعاً ولا جباناً (كيف يمكن أن أكون أحدهما وقد تحوَّل انتظاري إلى آخر المرايا)؟
(5)
أيها المستلقي الأبدي في النور السَّرمدي: أنَّى لك أن تسأل عن وجوهنا وما فعلته بنا الليالي؟
(6)
أول الاكتئاب يستعصي على اللغة، وأقساه يستعصي على نفسه؛ إذ يصير المكتئب كائناً بعد--لغوي لا يستطيع مجاهدة القول ولا جهاد الصمت.
(7)
الأمل من نوافل المأساة.
(8)
أنتَ بعد الرَّصف (كل ما تفعله اللغة قبل ذلك ليس سوى مجرَّد احتيال).
(9)
الشِّعر شاق كتلوين الهواء، والتَّخلي النِّهائي عن الحب الأول. والشِّعر العظيم هو كل ما يتمكن الآخرون من قراءته، ولا تستطيع أن تكتبه.
(10)
في كل نضال، في كل قراءة وكتابة، في كل كفاح، في كل مشاريع إثبات الذات والذَّود عنها، في كل التضحيات، في كل المرارات والخذلانات، في كل مقاساة الذل والهوان أمام الله وخلقه، في كل الرَّفض والتمرُّد، في كل السَّعي العنيد والمثابر نحو النقيض المطلق هناك «مونوليث» واحد يَتمَشْرَمُ في ذاته في كل لحظة، وينبغي الحذر والاحتراز منه في كل غمضة عين، ولا مناص من مواجهته في كل لحظة: البطريرك.
(11)
لكن...
ماذا كانا سيفعلان لو كانا يعلمان أن ذلك هو لقاؤهما الأول والأخير؟
(12)
في توبتي واستغفاري أرى اقترافاتهم.
(13)
كي لا يصير الحب من أفعال «الطَّبيعة»، و«الغريزة»، و«الفطرة» إلخ؛ كي يصير الحب أعظم تجسيد لنقيض كل ما ذُكِرَ أعلاه.
(14)
الذين كانوا
سوف يكونون هنا أيضاً (تنويع على قاسم حدَّاد).
(15)
بعد ممارستها بتطرف، لعقود طويلة من الزمن، باستثناء فترات غير طويلة وحرجة، صار ينبغي الاعتراف بأن الوحدة لم تعد إلا حماية ناقصة (أنا لا أتكلم هنا عن «العزلة» التي هي شيء مختلف تماماً من حيث هي حالة وجوديَّة وروحية بينما «الوحدة» حالة فيزيائيَّة)؛ بل إنها -- أي الوحدة -- قد تحولت إلى نزعة تتآكل في العدوان ضد الذات وضد الآخرين معاً.
وحين يصل الحد الأقصى من أي ممارسة نبيلة إلى أي شكل من أشكال اللاإنسانيَّة فإن الجرس يكون قد قرع.
انتبه يا هذا.
لكن العزلة تبقى هي الخيار الأفضل.
(16)
لا يرقص في حلمه من يضحك كثيراً قبل أن ينام (وفي سياق قريب من هذا، فإن للعزيز زاهي خميس نظرية علميَّة متكاملة الأركان مفادها أنك إذا أردت من شيء ما أن يتحقق، فعليك أن تتحدث عنه كثيراً).
(17)
في مأدبة الليلة، سمَك مشوي، وسكاكين، ودجاج من الفرن، وأشواك، وأرز بالخُضار والعدس والشِّعريَّة، وابتسامات فادحة، وحساء أطعمة بحريَّة، وخنزير كبير يجلس معنا إلى الطاولة.
(18)
بالنسبة لي، صار سؤال جدوى الكتابة من عدمها شأنا يعني القارئ ولا يخصُّ الكاتب. أما النَّاقد فليس لديَّ ما يمكن قوله عنه.
(19)
بعد أن قتلنا كل الآباء ابتدأت الجريمة.
(20)
آخر أنفاس المرء لا بد أن تكون خضراء. أما آخر التياعاته فعليها أن تكون بيضاء.
(21)
يترنَّحون نحو البداية، والهاوية تقهقه.
(22)
ما من مكان، على البسيطة قاطبة، تكمِّل فيه الاختلافات الجوهريَّة بين ماركس ونيتشه بعضها بعضاً وتتألق عوضاً عن أن تتكاثر وتتنافر، أكثر مما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكيَّة؛ حيث يتجلى القطبان بصورة لا يمكن أن تكون أكثر روعة، بدءاً من ولاية كاليفورنيا المسروقة سرقة من المكسيك («وهذا ما لن ننساه أبداً، وسيظل محفوراً إلى الأبد هنا».
كما قال كارلُس فونتِس، مشيراً بسبَّابته إلى جبهته، في حديث أتذكره جيداً كان قد أجراه في أواخر الثمانينيَّات مع طلبة جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (UCSD)، في قلب مدينة سان دييغو، الجوهرة الكاليفورنيَّة المتألقة)، وصولاً إلى تمثال الحريَّة في «جزيرة الحريَّة» على الشاطئ الشرقي.
هناك، ترى المسألة الطَّبقيَّة في أبشع صورها وأشكالها. لكن هناك شيئاً آخر حتى لدى «اليساريين الأمريكان»: غياب الذات واختفاء الهويَّة فيما يمكن وصفه بـ«الهمبورغر الماركسي الأمريكي».
بهذا تجد امِّحاء ذاتيَّة الإنسان وغياب فردانيَّته (وكأنه ليس «للفرد قدس الأقداس الذي لا يُمَس» على رأي كيركجارد) في أسوأ المسوخ: يتحدث الماركسي الأمريكي ويستخدم نفس التعبيرات (اللغوية والجسدية) التي يأتي بها الرئيس «الجمهوري» أو «الديموقراطي» في البيت الأبيض، وهو بدوره مفرداته مأخوذة من قاموس السوق.
وهناك، في الولايات المتحدة، حيث عشت ردحا لا بأس به من الزمن، كنت أمارس متعتي الأشد وحرِّيتي الأعلى الممكنة في تأليب الماركسيين على نيتشه، وتحريض النيتشويّين على ماركس!
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
