في الزمن: لماذا لا تعيش المجتمـعات الزمـن نفسه؟

23 أغسطس 2026
23 أغسطس 2026

«إن أحوال العالم والأمم لا تدوم على وتيرة واحدة؛ إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال». ابن خلدون 

تتسابق الدول اليوم إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم والإدارة والاقتصاد. تشتري الأنظمة نفسها، وتستعين بالشركات نفسها، وتعلن استراتيجيات متشابهة، ثم تنتظر نتائج متقاربة. لكن الدولة تستطيع شراء النموذج الحاسوبي في أشهر، ولا تستطيع أن تشتري بالسرعة نفسها جودة البيانات، أو مهارة الموظفين، أو ثقة الناس، أو قدرة الإدارة على إعادة تصميم العمل. الأداة واحدة، فلماذا تختلف نتائجها من مجتمع إلى آخر؟ 

قد نجد بعض الجواب إذا أضفنا إلى نظرنا بُعدا نغفله عادة: وهو الزمن. 

لا أعني الزمن الذي تسجله الساعة أو التاريخ المدوّن أعلى الوثيقة، بل الزمن الكامن في الأشياء؛ الزمن الذي احتاجت إليه البنية حتى تتكوّن، والذي تحتاج إليه حتى تتغير. فما الذي يحدث لفهمنا للمجتمعات إذا عاملنا الزمن بُعدا داخليا في مؤسساتها ومفاهيمها، لا إطارا خارجيا نرتب فيه الحوادث؟ 

الزمن، في المعنى التحليلي الذي يعنينا، علاقة ندركها من تغير الأشياء، لا جوهرا مستقلا نراه في ذاته. فنحن لا نرى الزمن، وإنما نرى الشمس تتحرك، والعقارب تدور، والأجساد تشيخ، والأشياء تنتقل من حال إلى حال. ندرك الزمن من الحركة، ونميز به بين قبل وبعد. ولو لم يقع تغير، لما أمكن تمييز لحظة من أخرى. 

ويتيح لنا هذا المعنى أن نسأل: هل يمكن فهم البنية الاجتماعية من صورتها الراهنة وحدها؟ 

حين نصف مجتمعا نقول إن له دولة واقتصادا وجامعات وقوانين ومفاهيم عن الفرد والسلطة والعدل. ويغلب أن نتعامل مع هذه الأشياء كأنها قائمة أمامنا في سطح واحد. فنضع دستورا إلى جانب دستور، وجامعة إلى جانب جامعة، وانتخابات إلى جانب انتخابات، ثم نفترض أن تشابه الأسماء والأشكال يدل على تشابه الأشياء. 

لكن البنية لا توجد في المكان وحده؛ لها زمن أيضا. فهي لم تظهر مكتملة في اللحظة التي رأيناها فيها، وإنما تكونت في حركة طويلة، وحملت معها آثار الطريق الذي سلكته، والعوائق التي واجهتها، والمصالح التي أقامتها، والأفكار التي منحتها معناها. وإذا كان المكان يبين لنا أين توجد المؤسسة، فإن الزمن يبين لنا ما الذي يوجد فيها. 

قد تتشابه جامعتان في المباني والشهادات واللوائح، بينما تكون إحداهما امتدادا لتاريخ من استقلال المعرفة وتكوين الجماعة العلمية، وتكون الأخرى جهازا لإعداد الموظفين ومنح الشهادات. وقد يتطابق قانونان، لكن أحدهما يأتي بعد تحول اجتماعي جعل الناس يعترفون بالمبدأ الذي يحمله، فيما يأتي الآخر سابقا على المجتمع الذي سيطبقه. الشكل واحد، لكن الزمن المتراكم داخله مختلف؛ ومن ثم تختلف وظيفته ونتيجته. 

ولا تتحرك البُنى داخل المجتمع بسرعة واحدة. فهناك زمن الحادثة: قرار يصدر، أو حكومة تتغير، أو أزمة تنفجر. وهناك زمن التحولات الممتدة: تغير السكان، ودورات الاقتصاد، وانتقال المهارات والمصالح. وهناك زمن البُنى التي تتكون عبر أجيال: الدولة، والتعليم، والثقافة السياسية، وأنماط إنتاج الثروة وتوزيعها. قد تتغير التقنية في أشهر، والقانون في سنوات، والمؤسسة في عقود، فيما تحتاج العادات وصور الناس عن أنفسهم وعن السلطة والمعرفة إلى أجيال. وقد يموت النظام في النصوص ويبقى في الممارسة، أو يولد القانون في الجريدة الرسمية قبل أن يولد في العلاقات الاجتماعية. 

لهذا لا يتحدد أثر الذكاء الاصطناعي بقدرة النموذج وحده، بل بقدرة البنية التي تستقبله على إعادة تنظيم التعليم والعمل والإدارة حوله. قد تستورد دولتان الأداة نفسها في اليوم نفسه، ثم تختلف نتائجهما؛ لأنهما لم تدخلاها في الزمن الاجتماعي نفسه. 

ولا يعني ذلك أن إحداهما تعيش الماضي والأخرى تعيش المستقبل، كأن المجتمعات تسير على طريق واحد، وكل اختلاف بينها لا يعدو أن يكون تقدما أو تأخرا. فقد تتغير تقنية المجتمع سريعا فيما يتحرك قانونه ببطء، وقد يندمج اقتصاده في أحدث شبكات العالم بينما تحتفظ علاقات السلطة فيه بصور تكونت في ظروف سابقة، وقد يتفاوت في كل ذلك بين فئاته ومناطقه ومؤسساته. إنه لا يسكن زمنا واحدا، بل تجتمع فيه أزمنة متعددة. 

وحين تنتقل المؤسسة من مجتمع إلى آخر، لا ينتقل معها بالضرورة الزمن الذي كوّنها. فالمواطنة والدولة والجامعة والسوق ليست تعريفات خرجت من الكتب إلى العالم، بل نتائج لمسارات وصراعات وحاجات. ويزداد الخطأ حين يُقدَّم المسار الذي أنشأ المؤسسة بوصفه طريقا عاما، فيُفسَّر اختلاف عملها في مجتمع آخر على أنه تأخر، لا اختلاف في البنية والمسار. 

ينشأ من إغفال ذلك خطأ في الفهم، ثم خطأ في القرار. فإذا ظن صانع السياسة أن الشكل يحمل شروط عمله في داخله، حسب إنشاء المؤسسة إنشاء لوظيفتها، وإصدار القانون تغييرا للسلوك، واقتناء التقنية امتلاكا للقدرة. وهو يرى ما حدث، لكنه لا يرى الزمن الذي يحتاج إليه الحدث حتى يصير بنية، والبنية حتى تصير ممارسة، والممارسة حتى تعيد تشكيل تصور الناس لأنفسهم. 

ومن أخطاء النظر أيضا أن نفسر حركة من زمن طويل بحادثة من الزمن القصير. فالأزمة التي تبدو مفاجئة قد تكون نهاية تراكم لم نرصده، والنظام الذي يبدو ثابتا قد تكون القوى التي تحمله ضعفت منذ زمن. وعلى العكس، قد تكثر الخطط والقرارات والحوادث من غير أن تتغير البنية التي تعيد إنتاج النتائج نفسها. ليست كثرة الحركة دليلا على الانتقال؛ فقد تدور العجلة وهي منفصلة عن الأرض. 

هنا تظهر قيمة الزمن للمراقب والمؤرخ وصانع القرار. فلا يكفي أن يسألوا: ماذا وقع؟ بل: إلى أي زمن ينتمي ما وقع؟ هل هو حادث عابر، أم علامة على تحول أوسع، أم أثر ظاهر لحركة بنيوية طويلة؟ وما الذي يتحرك سريعا، وما الذي يقاوم الحركة؟ وأي ماضٍ لا يزال يعمل في الحاضر، حتى بعد أن اختفت أسماؤه وشعاراته؟ 

ويحتاج صانع القرار إلى أن يميّز، فوق ذلك، بين زمن القرار وزمن أثره. فقد يصدر القانون في يوم، لكن تكوين القدرة على إنفاذه يحتاج إلى أعوام؛ وقد تُبنى المؤسسة سريعا، بينما يحتاج تكوين من يمنحها وظيفتها إلى جيل. بعض التحولات يستلزم قرارا يفتح الطريق، وبعضها يحتاج إلى تراكم يبني القدرة. فالقرار يستطيع أن يبدأ الحركة، لكنه لا يستطيع أن يختصر كل ما يقع بين البداية والنتيجة. 

ولا يعني ذلك اتخاذ بطء البُنى ذريعة للانتظار. فالفعل نفسه يدخل في حركة المجتمع: يسرّع بعض مساراتها، ويقاوم بعضها، ويفتح إمكانات لم تكن قائمة. لكن أثره يتوقف على إدراك موضعه من تلك الحركة. وقد يكون القرار صحيحا في غايته، خاطئا في توقيته؛ وقد يصح توقيته، ويخطئ في تقدير المدة والشروط. 

ليس حسن النظر في الزمن أن نعرف متى وقع الشيء فحسب، بل أن نعرف الزمن الذي احتاج إليه كي يتكوّن، والزمن الذي يحتاج إليه كي يتغير. فالأشياء لا تحمل أشكالها وحدها؛ تحمل أعمارها وحركتها أيضا. ومن رأى البنية ولم ير زمنها، عرف ما تبدو عليه، ولم يعرف بعد ما هي. 

حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني