لا تستهينوا بالحوثيين

23 أغسطس 2026
23 أغسطس 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

قبل سنوات قليلة فقط كان الحوثيون هم الطبقة الثانية أو الثالثة من أعضاء «محور المقاومة» التابع لإيران، بما دفع صناع السياسة إلى معاملتهم باعتبارهم فرعا لطهران. لكن في حين أنهم ينتفعون بالأسلحة والتدريب والخبرة الإيرانية، فإن للحوثيين مصالحهم الخاصة التي يضعونها نصب أعينهم ويتصرفون بناء عليها. 

فجماعتهم المسلحة التي تسيطر على أغلب شمال اليمن تحظى بوضع يتيح لها أن تصوغ المرحلة التالية من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في حال سعيهم إلى تجديد حصارهم لمضيق باب المندب. وبوسع الحوثيين أن يطلقوا من جديد شرارة الحرب في اليمن، ويجهضوا الجهود الرامية إلى إبرام صفقة مع إيران ويعمقوا تورط الولايات المتحدة في صراعات المنطقة. 

لقد كان من الافتراضات الأساسية المتعلقة بالضربة الأمريكية الإسرائيلية لإيران ـ بداية من شهر فبراير- أن الجماعات «الوكيلة» لإيران قد ضعفت ضعفا كبيرا. إذ عانى حزب الله- وهو الجماعة المسلحة اللبنانية التي كانت الشريك الأقوى لإيران في المنطقة -من ضربات ثقيلة من إسرائيل خلال حرب غزة، وكذلك عانت حماس- وهي الأخرى حليف أساسي لإيران. كما خسرت إيران حليفا آخر عندما انهار نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر من عام 2024. 

ولكن الحوثيين -الذين ضعفت قدراتهم العسكرية أيضا بفعل الضربات الأمريكية في 2024-2025- لم يرجعوا إلى ساحة المعركة فور بدء الولايات المتحدة وإسرائيل ضرب إيران هذا العام، بما جنبهم التعرض لضربات مماثلة. 

ولعلهم كانوا يترقبون الوقت الأمثل. وبسبب تميز جغرافي، يستطيع الحوثيون أن يقطعوا المرور التجاري في مضيق باب المندب، وهو نقطة مرور مهمة ومدخل للبحر الأحمر، يمر منه ما بين 12% و15% من الرحلات التجارية البحرية. وفي الطرف الآخر من البحر الأحمر توجد قناة السويس، وهي مسار حيوي للنفط والغاز الطبيعي المسال المتجه إلى الأسواق في أمريكا الشمالية وأوروبا. وبإغلاق إيران فعليا لمضيق هرمز، فإن الحوثيين الآن في وضع قوي غير معهود. 

ولقد قطعوا شوطا كبيرا في النفوذ العالمي منذ الاستيلاء على العاصمة اليمنية صنعاء في عام 2014 وطردهم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا من المدينة في أوائل 2015. وعندما اندفعت القوات المتمردة جنوبا في مارس من العام نفسه، في محاولة للسيطرة على الأرض في جنوب اليمن، تدخل تحالف بقيادة سعودية ودعم أمريكي. 

وباتت الحرب المحلية وقد اكتسبت صبغة صراع إقليمي وأزمة إنسانية متفاقمة. 

وأخيرا، وفي مواجهة طريق مسدود وضغوط دولية كبيرة، وافق كلا الجانبين على هدنة تمت بوساطة الأمم المتحدة في أبريل 2022. وبالوصول إلى تلك النقطة، كان الحوثيون قد أنشأوا دولة أمر واقع في شمال اليمن، بينما كانت الحكومة تحكم أجزاء في الجنوب والغرب. 

استعرض الحوثيون عضلاتهم بالهجوم على سفن الشحن في البحر الأحمر في بدايات حرب إسرائيل في غزة التي بدأت في 2023. فباستعمال معدات بسيطة ومنخفضة التكلفة من قبيل المسيرات الهجومية رخيصة التكلفة منخفضة التكنولوجيا أحادية الاتجاه والصواريخ والقوارب السطحية الآلية، جعل الحوثيون المرور أخطر، ورفعوا تكلفة تأمين السفن التجارية إلى قرابة عشرين مثلا، فأغلقوا المضيق عمليا. واضطرت السفن إلى المسار البديل الوحيد حول الطرف الجنوبي لقارة إفريقيا بزيادة تقدر بأربعة آلاف ميل بحري أو أكثر فزادت بذلك تكلفة الشحن. 

في الشهر الماضي، استأنف الحوثيون الهجمات على الشحن في البحر الأحمر، فضربوا ناقلات نفطية تجارية مرتبطة بالسعودية وضربوا بنية أساسية سعودية في مجالي الطاقة والنقل. وكان ذلك ردا منهم على ما زعموا أنه غارات جوية سعودية على مدرج في مطار صنعاء في الثالث عشر من يوليو، في محاولة رامية إلى منع الطيران الإيراني القادم من الهبوط. في الوقت الراهن، تستمر السفن التجارية في المرور بالبحر الأحمر، برغم انخفاض حركة ناقلات النفط بشكل ملحوظ خلال الشهر الماضي. 

واستمرت هجمات الحوثيين أيضا على السفن التي تزعم الجماعة أنها موالية للسعودية، فضلا عن أن ضرب سفينة شحن في الثاني عشر من أغسطس قد تضمن أولى الخسائر البشرية المعلنة في هذه الجولة من الهجمات. 

في الأيام الأخيرة، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات على سفينة في ميناء المخا بالبحر الأحمر، وهو ميناء تسيطر عليه قوات متحالفة مع حكومة اليمن المعترف بها دوليا، وعلى مطارات وبنية أساسية متعلقة بمصافي النفط في السعودية. 

بإغلاق مضيق هرمز فعليا، أصبح مسار البحر الأحمر-قناة السويس أهم. وتجدر ملاحظة أن المملكة العربية السعودية سعت إلى تجنب هرمز بتسيير النفط الخام عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على ساحلها الغربي المطل على البحر الأحمر. فأعاقت الهجمات الحوثية الأخيرة هذا الخيار. وقد يضاعف شبه الإغلاق لمساري هرمز والسويس مشكلات التجارة العالمية، ويرفع تكلفة النفط، ويرفع التضخم أكثر مما هو مرتفع بالفعل. 

والحوثيون الآن في وضع يسمح لهم بزيادة تدخلهم في الحرب الإقليمية المستعرة فعليا، وتعقيد الجهود المبذولة لإنهائها. وقد يفترض البعض أن هذه الخطوة تتم بالنيابة عن إيران، لكن الواقع يرجح أن يكون أشد تعقيدا. 

لقد أثبت الحوثيون -وهم الحريصون أشد الحرص على مصالحهم الخاصة والبرجماتيون في المجال الدولي- أنهم بارعون في اختيار موعد دخولهم الصراعات أو تصعيدهم لها. فحينما هاجموا الشحن في البحر الأحمر سنة 2023-2025، على سبيل المثال، قالوا إن ذلك للضغط على إسرائيل من أجل تخفيض عملياتها في غزة. وعززت الضربات شرعيتهم في الأرض التي يسيطرون عليها في شمال اليمن، وصرف الأنظار عن إخفاقاتهم في الحكم في الوقت الذي تضاءلت فيه شعبيتهم. 

وهذه المرة، يبدو أن الحوثيين يرون فرجة لكسب نفوذ في المفاوضات مع المملكة العربية السعودية للوصول إلى تسوية سياسية في الحرب اليمنية، أو فرصة لاستئناف الهجوم على الحكومة المدعومة دوليا. 

كانت الجولة السابقة من هجمات الحوثيين في ما بين 2023 و2025 ذات أثر مهم ولكن كان من الممكن التعامل معه على مستوى الاقتصاد العالمي. فقد أشارت التقديرات إلى أن إعاقات الشحن المترتبة عليها يمكن أن تكون ذات أثر بسيط على التضخم. ولكن الآثار الاقتصادية لإغلاق مضيق باب المندب بالتزامن مع إغلاق هرمز يرجح أن تكون جسيمة. 

وفي حين تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب مع إيران، يهدد الحوثيون باستئناف حربهم في اليمن، التي يحتمل أن تجتذب المملكة العربية السعودية وتهدد تجارة النفط العالمية وتبقي المنطقة على اضطرابها. وسيكون من الصعب تخفيض التوترات الإقليمية دونما معالجة مباشرة لخطر الحوثيين، بدلا من افتراض إمكانية حله من خلال التعامل مع رئيستهم المفترضة، وهي إيران. في الوقت نفسه، لا ينبغي لأحد أن يفترض أن التعامل مع إيران سوف يقيد خطوات الحوثيين التالية. ويجب على المجتمع الدولي أن يواجههم باعتبارهم فاعلا برجماتيا خطيرا يتخذ القرارات بناء على مصالحه الخاصة. 

 ألكسندر ستارك أستاذة العلوم السياسية في مؤسسة راند ومؤلفة كتاب «النموذج اليمني». 

 «خدمة نيويورك تايمز»