مشروع «نور مجان» الذي لم ير النور
في الدول المتقدمة يُنظر إلى المبتكرين باعتبارهم ثروة وطنية لا تقلّ أهمية عن النفط أو المعادن، إذ تُوفّر لهم الحكوماتُ كلَّ سبل النجاح، وتذلل جميع العقبات أمامهم، وتقدّم تمويلا عبر صناديق الابتكار، وتفتح أمامهم أبواب الجامعات ومراكز البحث. وبعض الدول تمنح مثل هؤلاء تسهيلات ضريبية وتشريعية؛ كي تتحوّل أفكارهم إلى منتجات تنافس في السوق العالمي؛ لذلك نرى أنّ شركات عملاقة مثل «تسلا» أو «هواوي» بدأت من أحلام أفراد، لكنها وجدت بيئة تحتضنها حتى صارت علامات تجارية عالمية. والواضح الآن أنّ سوق السيارات الكهربائية وحده تجاوز مئات المليارات من الدولارات عالميّا، وأينما تولي وجهك اليوم في عُمان وفي دول المنطقة، ترى السيارات الكهربائية تزاحم السيارات الأخرى، وهذا دليل على أنّ الاستثمار في المبتكرين ضرورة اقتصادية.
في عُمان كان هناك مبتكر يملك حلما مشابها لأحلام أصحاب تلك الشركات العملاقة، اسمه سلطان العامري، الذي سيطرت عليه فكرة إنتاج سيارة عُمانية خالصة؛ فمنذ شبابه وهو يرى أنّ عُمان قادرة على أن تدخل مجال الصناعات الثقيلة، وأنّ السيارة الكهربائية العُمانية يمكن أن تكون رمزا للقدرة الوطنية على الابتكار. وهذا الارتباط بين شخصه وفكرته هو ما جعل مشروع مصنع السيارات «نور مجان» يبدو وكأنه امتداد طبيعي لطموحه الشخصي.
وضع سلطان العامري كلَّ ما يملك من وقت ومال في سبيل أن يرى حلمه يتحقق، فأنفق حتى الآن أربعة ملايين وستمائة وثلاثة وستين ألف ريال للمشروع، وصبر على سنوات طويلة من التجارب، ليخرج بنموذج تجريبي يحمل مواصفات متقدمة تنافس كبرى الشركات العالمية. ومع ذلك، فإنّ التحديات التي واجهها كانت أكبر من الفرد الواحد، منها غياب الدعم المؤسسي والمالي، وعدم وجود بنية تحتية صناعية، جعل المشروع يتوقف عند حدود النموذج التجريبي.
يشرح سلطان لي الأمر بأنّه كان قد وصل إلى المرحلة الثانية، وكان المشروع يسير وفق خارطة طريق محددة، إلا أنّ التعثر وقع في المرحلة الثالثة، حين أجّرته وزارة الإسكان أرضا في وسط وادٍ، بموجب عقد انتفاع أُبرم عام 2016، «عندما بدأنا بناء مصنع السيارات، كان من المفترض أن نشرع في إنتاج السيارات عام 2018، لكن في عام 2017 هطلت أمطار عادية، ولم تكن إعصارا أو حالة جوية استثنائية، فجرى الوادي وأزال المبنى».
رفع سلطان الأمر إلى المسؤولين في وزارة الإسكان -كما شرح لي- فأقرّوا بأنّ ما حدث ناتج عن خطأ تخطيطي، وطلبوا منه أن يقيم جدارا بطول كيلومتر وثلاثمائة متر، وأن تُردم أرض المشروع وتُرفع مترين عن مستوى سطح الأرض، وأنّ وزارة الإسكان ستُحيل الموضوع إلى قسم التعويضات، وكلّ المبالغ التي سينفقها على هذه الأعمال ستُعاد إليه، وهذا الوعد جعله ينفق مليونا وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ألف ريال، إذ رفع مساحة ستين ألف متر مربع بمقدار مترين عن سطح الأرض، ثم بدأ في إنشاء أرضية المصنع فوقها. وبما أنّ العين بصيرة واليد قصيرة، يقول سلطان العامري: «إنه في عام 2020 توقفنا عن العمل بسبب نفاد الأموال. فقد كان المبلغ المفترض لبناء المبنى ونقل المعدات لا يتجاوز 760 ألف ريال، لكننا اضطررنا إلى إنفاق مليون وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ألف ريال فوق طاقتنا المالية، وكان جزء من هذا المبلغ قروضا من بنوك تجارية، ممّا اضطررت إلى بيع بعض أملاكي الخاصة». وهناك تفاصيل حول اتصالاته مع المسؤولين لتسلم التعويض المقرر، إلا أنه لم يتسلم أيَّ تعويض حتى الآن. يقول سلطان -والحسرة بادية عليه-: «منذ ذلك اليوم والموضوع متوقف. وهذا باختصار، ما حدث في مشروع مصنع نور مجان للسيارات».
هنا يبرز سؤال: ما الذي يجب أن تقدّمه الجهات الرسمية للمبدعين والمبتكرين؟ إنّ مثل هذه المشاريع تحتاج إلى حاضنات صناعية وإلى صناديق ابتكار، وشراكات مع الجامعات ومراكز البحث، وإلى بيئة تشريعية مرنة تسهل الإجراءات بدل أن تعرقلها؛ فالمبدع الفرد -مهما كانت عزيمته- لا يستطيع أن يخلق صناعة متكاملة بمفرده. ويدور في ذهني سؤال آخر: ماذا لو كان مشروع سلطان العامري في دولة أخرى، ألن يجد دعما حكوميّا مباشرا، وشراكات مع شركات قائمة، وبنية تحتية جاهزة، وربما تحولت «نور مجان» إلى علامة تجارية منافسة في سوق السيارات الكهربائية؟.
أظن أنّ الموضوع يفتح بابا للنقاش حول البيئة التي تحتضن المبدع، وتمنحه الأدوات ليحوّل حلمه إلى واقع؛ فقصة سلطان العامري هي مرآة تعكس الحاجة الماسة إلى أن تتبنّى دولنا المبدعين، وأن تدرك أنّ الاستثمار فيهم مهمٌ جدا لبناء مستقبل قائم على الابتكار، فلا تنقصنا العقول ولا الأفكار ولا الطموحات، وربما هناك المئات ممن تعطلت مشاريعهم وتحطمت أحلامهم أمام التحديات التي واجهتهم.
إنّ ما يميز هذه القصة أنها تكشف عن فجوة بين الطموح الفردي والإمكانات المؤسسية. وسلطان العامري جسّد الإصرار والقدرة على الحلم، لكن المؤسسات لم تجسّد بعد القدرة على الاحتضان والدعم؛ لذلك فإنّ «نور مجان» رسالة مفتوحة إلى كلِّ مسؤول وصانع قرار، إذا أردنا أن نرى منتجات وطنية تنافس عالميّا، فعلينا أن نؤمن بالمبدع المحلي، وأن نمنحه ما يحتاجه ليحوّل حلمه إلى صناعة؛ فالأمم تُبنى بالأحلام التي تجد من يحوّلها إلى واقع، وهي دعوة مفتوحة إلى أن نعيد التفكير في كيفية تعاملنا مع المبدعين؛ فلو أنّ عُمان قررت أن تحتضن مشروعا مشابها، فإنها لا تمنح فرصة لشخص واحد فقط، بل تفتح بابا لصناعة جديدة قد تغيّر وجه الاقتصاد الوطني. والمؤكد أنّ المبدعين هم بذور المستقبل، وما علينا إلا أن نهيئ لهم التربة الخصبة لينبتوا.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
