كيف يبدو انعكاس وجه العالم اليوم في المرآة؟

22 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026

هل يمكننا إدراك التحولات إذا غابت حساسيتنا تجاهها؟ في عصر متسارع يبدو أمامه بطيئا عصر السرعة الذي كان شغف القرن العشرين؛ فتلك السرعة نفسها تختطف الحياة البشرية للأفراد وتسرع بها إلى العدم، فإذا كان إنسان ما قبل العصور التقنية يشتكي من سرعة زوال الحياة، وأنها تجري بلمحة عين فماذا يقول أفراد هذا العصر وأبناء هذا الزمان أو المستقبل الذي يمر العمر فيه بسرعة الضوء؟ 

التحولات الفردية واضحة على مدى زمني بسيط بين الأجيال، لكن هذا التغير لم يتوقف عند الحدود الفردية، بل تعداها إلى الاجتماعية، فالمجتمعات هي الأخرى تشهد تحولات كبيرة ليست محصورة بقارة أو منطقة، فما تعاني منه المدن الإفريقية اليوم من الاكتظاظ السكاني بسبب ضغط هجرة سكان الريف إليها هو نفسه ما تعاني منه بقية مدن العالم بما فيها مسقط، وهذا يزيد من الضغط على الخدمات العامة، ويستنزف الميزانيات والاقتصاد ككل، سواء الفردي أو الوطني. 

لكن التحول والتغير لم يقف عند ذلك الحد، بل وصلنا العصر الذي كان العلماء يحذروننا منه في العقود الماضية، وهو عصر التغيرات المناخية، وزيادة الاحتباس الحراري، وكثرة الأعاصير والفيضانات والكوارث الطبيعية بما فيها حرائق الغابات المندلعة اليوم في البرتغال وكندا. 

وقد خلصت دراسة هولندية نشرت العام الماضي إلى أن انبعاث الكربون من حرائق الغابات ازداد في العقد الأخير بنسبة ٧٠٪ ما يعني زيادة التلوث إضافة إلى التلوث الموجود بفعل الأنشطة الصناعية المحمومة، واستنزاف الوقود الأحفوري زيادة على شراهة قواعد بيانات الذكاء الاصطناعي للطاقة والأراضي والتبريد. 

ولم تقف تلك التغيرات عند هذا الحد بل تخطته للتأثير على الحياة البرية؛ ففي إحصائيتها قبل عامين أعلنت منظمة الحياة البرية WWF أن نسبة الحيوانات البرية انخفضت بنسبة ٧٣٪ عام ٢٠٢٠م عن أعدادها عام ١٩٧٠م، وهذا رقم مفزع. 

وسط كل هذه المؤشرات يعجز بعض السياسيين عن ضبط نزوعهم للإسهام بدورهم في هذه الكوارث بإضافة الحروب وويلاتها وآثارها التدميرية على الأرواح والأرض والبيئات المختلفة؛ سعيًا منهم إلى تصدر عناوين الأخبار، واكتساب أصوات الناخبين، وكأن المصائر والأرواح البشرية أصبحت لعبة انتخابات، فهذه المزايدات لا تكف في إسرائيل بانتظار الانتخابات القادمة، وهي مزايدات في نشر العداء والخوف والكراهية لا أكثر، وما تجاوزات واعتداءات المستوطنين الأخيرة غير نشاط مدعوم من داخل أروقة السياسية الإسرائيلية للاستفزاز العام في صفوف الفلسطينيين والعرب، وإثارة مشكلات، واشتباكات بين الأفراد العزل والجيش الإسرائيلي عن قصد وتعمد. 

وإذا التفت الناس يستنجدون بالغرب وجدوا أمامهم رئيس الإدارة الأمريكية الذي لا يكف عن دوره الكارثي بقراراته وتصريحاته، بما فيها تصريحه الأخير لقناة فوكس نيوز الذي هدد به عمان إذا وقفت في وجه مساعيه التدميرية، وكأن علينا الخضوع لدمارنا، والسكوت عن الجهود الفاضحة والمتعمدة لخلق البلبلة والفوضى ونشر المخاوف في الاقتصاد العالمي، وتحويل منطقة الخليج من منطقة آمنة ومتقدمة إلى منطقة خطرة متداعية وضعيفة، ومن الغريب أن يتفق الطرفان المتحاربان الأمريكي والإيراني على هدف واحد هو إغلاق مضيق هرمز، وإن ادعت أمريكا العكس فإغلاق المضيق يصب مباشرة في مصلحة شركاتها النفطية وإنتاجها في بلدها الأم، أي في مصلحة النفط الأمريكي، ولا يمكن فهم قضية إيران وإغلاق المضيق بطريقة أخرى. وما إفشال المفاوضات وحالة عدم اليقين التي تستمر أمريكا في تبنيها تجاه ملف الحرب إلا استغلال يصب مباشرة في مصلحة شركات النفط الأمريكية العزيزة على قلب دونالد ترامب، أما الخسائر المباشرة فهي لاقتصاديات دول الخليج العربية والعراق وللجمهورية الإيرانية التي تتعرض مباشرة لضربات الجيش الأمريكي. 

تزعم هذه الإدارة الأمريكية أنها تقف وتحمي حلفاءها في الخليج، لكن الواقع أنها تحفر تحتهم، وتضرب بشكل مباشر أعمدة اقتصاداتهم وقوام استقرارهم وبقائهم، وأن الهدايا الرئاسية باهظة الأثمان لم تفعل شيئًا سوى إثارة جشع وحسد الرئيس ترامب بدل مراضاته وتجنب شره وإخفاقاته التي لم يعد بمقدوره إخفاؤها، وعلى قادة الخليج اليوم إعادة النظر بعلاقاتهم بهذه الإدارة المغرورة حتى بإخفاقاتها التي لا تقود إلا للفشل، سواء في الداخل الأمريكي أو على مستوى العالم؛ إدارة تحارب بكل سفور الإعلام الحر والصحافة الحرة والمؤسسات الدولية، وتسعى عامدة إلى هدم النظام العالمي بأسره، وإلى إضعاف اقتصادات العالم كله لمصلحة اقتصادهم الشخصي وثروة رئيسها وشركائه، أما عدا ذلك فليست مهتمة بشيء آخر غير مزيد من التلاعب والسيطرة والتحكم حتى بمناصريها وبمن صوت لها عبر خطاب كراهية بالٍ عنصري يهاجم كل آخر. 

بعد ذلك ليس غريبًا أن نرى هذه الإدارة الأمريكية وهي تلاحق أعضاء ورئاسة وقضاة المحكمة الدولية بصفاقة منقطعة النظير، لا لشيء إلا لأنها أدانت بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل بجرائم ضد الإنسانية. وهذه الإدارة تفصح بذلك ليس عن قصر نظرها فحسب، بل عن تحديها للقانون الدولي ورغبتها المباشرة في استهدافه والإطاحة به ما دام ذلك يصب في مصلحتها ومصلحة حلفائها، بل يجعل هذه الإدارة الأمريكية نفسها التي تدعي زعامة مجلس السلام في غزة متهمة بشكل مباشر في كل الجرائم وحرب الإبادة التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية التي ما زالت فصولها متواصلة، وهذه الإدارة بتصرفاتها إنما تفصح عن المضمر من ماهيتها ونفسيتها الغارقة في أنانيتها وغرورها. 

هذا هو عالمنا المعاصر اليوم يتكشف بوجوهه المتعددة، ولا يعكس في المرايا غير سقوطه المريع، وتطرفه وإرهابه، ولا يبعث في الناس غير اليأس والقنوط، لكن عالمًا مثل هذا يجب على أجيال البشر المختلفة في كل مكان ألا تستسلم له أو تغفل، أو تنشغل وتسهر على تسلياته الرخيصة، أو تنام عنه، كما كتب مازن العبيدي في مقاله الأخير (ثمن ليلة قصيرة) بالملحق العلمي في جريدة عمان: «على الإنسانية وضميرها ألا يتراخى الآن خاصة؛ لأن أي تراخ الآن يهدد باستعباد الناس وحياتهم في عبودية جديدة تستفحل لتلتهم حياة الناس وكل ما يملكونه، وتشرب من عرق الإنسانية ودماء أجيالها الشابة لتضخم ثروات أغنيائها الذين لا ينطفئ سعار جشعهم، حتى لو كان ذلك على حساب الأرض وكل كائن فيها». 

إذا كان التعبير القديم عن أعداء البشرية غامضًا فها هو يتجسد اليوم تجسدًا لا لبس فيه، وعلى محبي البشرية أن يعملوا على وقفه قبل أن يجدوا أنفسهم أسرى بيد كارهيهم، أي قبل أن تتحول الأرض وكل بلد من بلدانها إلى فلسطين أخرى. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني