سمعة المؤسسة الأكاديمية والتعددية الديمقراطية
أثّرت تحولات القرن الحادي والعشرين المادية في انتقال مؤسسات التعليم العالي من مرحلة السلطة المعرفية غير القابلة للمساءلة إلى مرحلة المؤسسات الخاضعة للمحاسبة العامة؛ فلم تعد عراقة الجامعة كافية لحماية سمعتها، بل باتت القدرة على صون النزاهة العلمية والشفافية المؤسسية ركنا أساسيا في تعزيز مكانتها.
وضمن هذا السياق تصدرت جامعة كامبردج قائمة الجامعات لا بوصفها ضحية لهذه التحولات، بل بتصنيفها مثالا على التحدي الذي تواجهه جميع الجامعات العالمية اليوم في إمكانية حفاظها على إرثها التاريخي مع التكيف في الوقت نفسه مع عالم تحكمه السرعة الرقمية، والتعددية الثقافية، والرقابة المجتمعية المتزايدة. وقد شهدت الديمقراطيات الغربية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في فهمها للمواطنة والمشاركة السياسية بانتقالها من التركيز على المساواة القانونية النظرية إلى الاهتمام بتمثيل التنوع الثقافي والعرقي والاجتماعي داخل المؤسسات العامة بما يعرف بـالديمقراطية التعددية في الفكر السياسي المعاصر انطلاقا من إقرار التعدد مصدرا للقوة المجتمعية سعيا لتوسيع دائرة المشاركة أمام الفئات التي ظلت تاريخيا على هامش النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي.
وإن كانت مقالة الأسبوع الماضي قدمت نموذجا إيجابيا لصعود شخصيات تنتمي إلى خلفيات إثنية وثقافية متنوعة إلى مواقع التأثير والتمثيل العام في الولايات المتحدة عبر النتائج الانتخابية في ولايات مثل ميشيغان، فإن مقالة اليوم تؤكد أن الديمقراطية التعددية -شأنها شأن أي مشروع فكري أو سياسي- لا تخلو من إشكاليات وتحديات لا سيما في انتقالها من المجال السياسي إلى المؤسسات الأكاديمية بما يثير تساؤلات دقيقة حول العلاقة بين التمثيل الاجتماعي والجدارة المهنية من جهة وبين الإنصاف ومعايير التميز من جهة أخرى. ضمن هذا السياق برزت حالة الأكاديمي البريطاني جيسون أرداي، الذي أصبح في عام 2023 أصغر أستاذ أسود في تاريخ جامعة كامبردج نموذجا معقدا للتداخل بين قيم التنوع والعدالة الاجتماعية، ومتطلبات النزاهة الأكاديمية والصرامة المؤسسية. توترات تضع المؤسسات أمام أسئلة صعبة تتعلق بالمصداقية والثقة العامة.
وُلد جيسون أرداي في لندن عام 1985م لعائلة بريطانية من أصول غانية، عاش طفولة عانى خلالها من اضطرابات نمائية وتوحد وعسر قراءة قبل تحقيقه تقدما أكاديميا مكّنه من الحصول على الدكتوراة والعمل في عدد من الجامعات البريطانية المرموقة وصولا إلى جامعة كامبردج، مركزا في أبحاثه بصورة خاصة على قضايا العرق والمساواة والتعليم والحراك الاجتماعي.
وقد قوبل تعيينه في كامبردج بوصفه تجسيدا عمليا لفكرة توسيع دائرة المشاركة في المؤسسات المؤثرة بحيث لا تبقى حكرا على فئة اجتماعية أو ثقافية بعينها. وبعد تعيينه أستاذا لعلم الاجتماع والتعليم حظي بتغطية إعلامية مكثفة على شاشات التلفزيون ومنح عدد من الدكتوراه الفخرية مستفيدا من موجة إشادة جعلت كثيرين ينظرون إليه باعتباره «نجما أكاديميا»، معبرا عن سعادته بتجاوز تحديات الواقع «لم يكن بمقدوري أن أتخيّل قط أن أصبح أستاذا في كامبردج وأنا ذلك الطفل المصاب بالتوحّد الذي لم يكن قادرا على الكلام حتى سن الحادية عشرة».
قدّم أرداي سردية إعادة تأويل الإعاقة بوصفها مصدرا للمعرفة وليس عائقا لها، انسجاما مع خطاب التعددية والديمقراطية الشاملة في التعليم العالي. ولا ندري حقيقة هل استفاد أرداي من نزعة كامبردج لإثبات التعددية الأكاديمية أم استفادت هي من التسويق لعالميتها وإنسانيتها عبر تعيينه أم «وافق شن طبقه» في عقد غير معلن لتبادل المنفعة. لكن الثابت واقعيا هو أن تعيينه استفز الكثيرين حوله مطالبة بإخضاعه لسلسلة من تمحيص المؤهلات والتشكيك في صحة إجراءات التعيين، يتجاوز الأمر لحظة الاحتفاء إلى تحقيقات مكثفة أكاديمية وقانونية نتج عنها تقديم استقالته بعد أشهر من خطاب تناول حملة شنت ضده قال فيه: «إن المحافظين البيض والناشطين اليمينيين يستخدمون «كتاب قواعد» لاستهداف الأكاديميين السود. واصفا حملتهم بأنها «سرطان» ينبغي لزملائه «استئصاله من الأوساط الأكاديمية» ثم وجد ميتا بعد أيام قليلة من تقديم استقالته!.
ما زالت قضية أرداي قيد النقاش بعد حملة توقيع عريضة تجاوزت 31 ألف شخص بينهم أعضاء في البرلمان البريطاني مطالبين رئيس الوزراء آندي بورنهام بفتح تحقيق في تعرضه لمضايقات إعلامية دفعته إلى الانتحار، مع الإشارة إلى ما أعلنه أرداي نفسه في أواخر أيامه ضمن حملته التسويقية لنشر مذكراته «Great And Unfortunate Things» في المملكة المتحدة في 27 أغسطس مما قد يتضمن ما لم يعلن عنه سابقا.
المحزن أن كل تلك المعارك دارت وتدور تحت مظلة علمي الاجتماع والنفس عبر الإعلامين التقليدي والرقمي، فهل ذهب أرداي ضحية للصراع بين عنصرية اليمينيين البريطانية وادعاءات مثالية الليبرالية التعددية، أم كان ضحية لتعاظم الذات مع عدم الاتكاء على معايير أو ثوابت أو كفاءة داعمة تلك الذات المتعاظمة؟ ورغم نتيجة بعض التحقيقات المتعلقة بصحة وكفاءة مؤهلاته إلا أن المسألة الأهم تتمحور حول الثقة العامة بالمؤسسة الأكاديمية سواء تلك المانحة للمؤهل أو تلك التي اعتمدته أساسا لتعيين صار محل شك بعد أعوام من قبل المؤسسة ذاتها! إذا كانت كامبردج بُنيت عبر ثمانية قرون على المعرفة والكفاءة، فلا بد لتلك الكفاءة من توافق والثقة العامة للمجتمع؛ ففي زمن العولمة الرقمية لم تعد الجامعة تُقاس بما تنتجه من معرفة فحسب، بل بما تملك من قدرة على حماية مصداقية تلك المعرفة.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
