مآتم سرية للقبيلة التي تضحك ليلا!
عندما قرأتُ رواية «القبيلة التي تضحكُ ليلا» للروائي السعودي سالم الصقور، والصادرة عن دار مسكلياني، في الطائرة التي أقلتني من الدمام إلى مسقط، تذكرتُ أولئك الذين مضوا إلى كآباتهم القاتمة دون أن يدركوا إن كان مرد ذلك أنّهم لم ينجبوا طفلا أم لأنّ القبيلة كانت تدسُ أنفها في حياتهم على نحوٍ مُخزٍ!
ففي هذه الرواية تتحول «الأبوة» إلى مرض عاطفي تُصاب به القبيلة قبل الفرد. إذ تتآزر الرغبة المحمومة لحث الفرد المحروم من الإنجاب على الزواج مرّة ومرتين وثلاث، وكأنّه مُجردٌ من أي قيمة إنسانية فيما لو كان خارج عجلة التناسل!
لطالما جعلَنا الأدب والأفلام ننظرُ للإنجاب من وجهة نظر المرأة التي يتم التخلي عنها عندما لا يمتلئ رحمها بحياة جديدة، ولطالما بدا الرجل مُحاطا بخيارات تُسهلُ عليه مسألة التخطي، ولذا فالمفارق في هذه الرواية أنّها تُرينا عذابات رجل شرقي من نجران يتعرضُ لمحاكمة قاسية في المجالس وبيئة العمل وبيت العائلة. الضوء بأكمله مُسلط هاهنا على الرجل المسحوق المخذول تحت عجلات الإنكار، وتلك النظرة المشوهة للكائنات القادمة من مختبرات الأنابيب، وكأنّها تنتزعُ شيئا من وهج رجولته!
هكذا تبدو القبيلة مُتجهمة في وجه الذين لا ينجبون وكأنّهم بعدم إنجابهم يقوضون سلطتها المتنامية: «أن تعيش وسط قبيلة كأنّك تعيش في إحدى ضواحي جهنم». بتلك الروح الساخرة وبلغة متدفقة، يحدثنا الصقور عن ذعر الجسد وما يمر به من اختبارات صعبة في سبيل مجيء كائن إلى الحياة. لقد مرّ في حياتنا بشرٌ لم يعيشوا كما ينبغي، أخذوا يركضون في لهاث مُضنٍ بالتأكيد لا أحد يمكنه أن يلوم هذه الرغبة الفطرية في الإنسان- لكن البعض سخر حياته ووقته وماله لهذه الغاية على نحو مُغالٍ فنسي أن يعيش.
يضعنا سالم الصقور إزاء كائن هش يدعى علي بن سعدى، موشك على أن يصير أبا أو أن يدفن آخر آماله المُرتجاة بعد محاولات لا محدودة، جرّب فيها وصفات الأطباء والسحرة وأحجبة رجال الدين.
لقد جعل الصقور ساعات المخاض، رحما فنيا تتشكلُ فيه قصّة البطل الذي يُنسب لأمّه، مُسترجعا تاريخ حياته على نحو مُتشظٍّ، كتشظي إدارته الفردية إزاء سياط القبيلة التي ترجمه. «ففي كل شهر قمري يموت واحد من أبنائه، فتنتصب سرادق العزاء في صدره، ولا أحد يُشاركه تلك المآتم السريّة».
يصل الأمر بالبعض لأن يخترعوا الأبناء، ليخرجوا أنفسهم من دوامة المساءلة، مثل «دحيدح» الذي لفق قصّة سفر أبنائه، وعندما سقط في منتصف النهار مثل نخلة نخر جوفها السوس انكشف المستور. أو ذاك الذي تعرض لدعوة من شيخ أن يقطع الله «صيبه ونصيبه» فنفذت كلماته إلى السماء ولم ينجب! وكأنّ أكبر عقاب دنيوي متمثل في انقطاع الذرية.
علي بن سعدى هو جزء من جسد تلك القبيلة ومن نسيج صراعاتها ولذا فهو لا يستطيع الفكاك منها، تلاحقه بالشفقة وبالكلمات التي تأكلُ قلبه. تشعرُ كعقلٍ جمعي أنّ من حقها أن تسأل دون مواربة: «ما جاك عيال؟». أمهات الأزواج لا يضعن أنفسهن البتة في مكان زوجة الابن. يحلمن بامرأة أخرى ينسلُ منها أولادهن، كما فعلت أمّ «علي». لكن المرأة البديلة كانت لها جراحها أيضا، لم تكن مجرد بديل. بينما دخل «عليّ» حياتها من أجل غاية مُحددة. كان ذلك الزواج «كلقاء في سوق المسروقات، كل منهما يود أن يسرق الأشياء التي سُلبت منه».
عندما نشبت حرب طويلة بين قبيلتين متجاورتين، كانت ضحكات أبناء إحدى القبيلتين ليلا تكسرُ عزيمة القبيلة الأخرى، الأمر الذي يكشفُ عن هزائمَ بشر يجاوروننا، يتألمون ولكننا لا نكف عن توبيخهم عمّا يفقدون الإرادة فيه أصلا.
تمنى «عليّ» لو أنّ مُصلح الأحذية يقتلع المسامير من قدميه التي اخترقته في محاولات الهروب، ومصلح الساعات أن يُصلح زمن المدينة الغارقة في ماضيها حتى النخاع. فكل الجهات وكل الوجوه بلون قاتم مُبهم وعدائي. إذ يتبدى الإنسان وكأنه مُعفى من حياته، يُسلمُ إرادته الكاملة للقبيلة فيقع فريسة لها. وكأنه جسد معطوب. ولعلي سأتذكر كثيرا مشهد «عليّ» وهو يقفُ أمام حضانة الخُدّج، ينظرُ لكل زجاجة، بداخلها جمرة حياة مُشعة، فيرتجُ الأمل بداخله.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
