في محبة إحسان عباس

22 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026

حملَ إحسان عبَّاس همَّ إقامة «كيان» للنقد الأدبي العربي. يمكن أن نوجز بهذا القول، من غير إسراف ولا إسفاف، خُلاصة حياته العلمية كلها. ولعله قد أوفى بهمه غايةَ الوفاء بإنجازه المشهود مطلع سبعينيات القرن الماضي وهو « تاريخ النقد الأدبي عند العرب: نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري». 

مقدمة هذا الكتاب التي وضعها في نحو ثلاثين صفحة تصلح بحد ذاتها، فضلًا عن الكتاب كاملًا من عنوان الغلاف حتى الفهرس في الصفحة الأخيرة، تصلحُ محاضرة كاملة، دسمة وغنية، لطلاب النقد الأدبي في الجامعة، في يومهم الأول من الفصل الدراسي، المحاضرة التي سيبدأها بنقد النقد الأدبي عند العرب في العصر «الجاهلي» مشيرًا إلى أن نماذجهم النقدية الأولى لم تكن سوى «تعميم وتعبير عن الانطباع الكلي دون لجوءٍ للتعليل». أما النقد المنظم فلم يتشكل إلا مع الأصمعي الذي لجأ إلى تصنيف الشاعر واحدًا من اثنين، فإما شاعر «فحل» أو «غير فحل». (وبالنسبة لي شخصيًا، فقد كنت أشمئز (بالفطرة إن صح القول) من هذا التعبير. لم أستسغه في كتب التراث مذ أن كنتُ صبيًا، بل ظننته غالبًا مجرد إطراءٍ ذكوري عابث من قبيل المزاح، حتى تبين أن الأصمعي جادّ في هذا التعبير)! 

لو أعدنا النظر إلى ما كان من نقد الشعر عند الأوائل الجاهليين حتى أواخر القرن الثاني الهجري، نقد المجالس والأسواق حيث يتحدثون «عن شؤون خارجة عن الشعر نفسه أو جزئية فيه، شؤون متصلة بالعرف أو بالمعارف التي يتضمنها الشعر...إلخ» وذلك قبل قرن وأكثر من ترجمة كتاب «فن الشعر» لأرسطو، فلا أحسب أن ذلك النوع من النقد سيختلف من حيث القيمة عن كثير من «النقد» الشائع المائع الذي يخرج من الجامعات ويملأ الرسائل العلمية وصفحات الثقافة والمجلات اليوم. 

كم مللنا من رشوة الأدباء للنقاد، ومن رشوة النقَّاد للأدباء! ومن يكتب عن محبته لإحسان عبَّاس فهو لا بدَّ يكتب عن مقته لهؤلاء وهؤلاء من المتسولين على أرصفة الكتابة. ولربما كان المعتزلة المحتكمون إلى العقل للتخفيف من جموح العواطف والعصبية، ممثلون بالجاحظ، هم أكثر «منهجية» و«موضوعية» من نقد الجامعات العصرية الموبوء بالتعميمات الكاسحة المُسلَّمات المتلقَّفة من غير تشكيك أو تمحيص. ومن أشهر تلك المُسلمات المدرسية التي ظل إحسان عبَّاس يعاديها هي الإشاعة التي تقول بأن القصيدة العربية القديمة ليست ذات وحدة، لا يختل بناؤها ولا يرتبك معناها الكلي بحذف بيت أو العبث بترتيبه، فذلك قول جائر بالنسبة إليه. 

يشدد إحسان عباس على مسألة الوحدة العضوية في القصيدة، وعلى ضرورة الاعتناء ببناء النص الواقف ضد التشظي العشوائي للاتجاهات والرؤى والصور. وهو يؤمن بأن الشعر أصعبُ فنون القول على الإطلاق. ويوصي طلابه بما يقوله دائمًا: «على دارس الشعر أن يبدأ بالشعر نفسه لا بالحديث عنه»، فالإبداع سابق لنقد الإبداع، وإن كان إحسان عبَّاس نفسه من النقاد الذين وجدوا في النقد فنًا يخصهم، ربما لتعويض ضمور موهبة كتابة الشعر التي أهملها في وقت مبكر. 

نأيُه عن السياسة وسُقم جدالها كان غريبًا على فلسطيني مثله. فكيف لمن ولدته أمه فلسطينيًا يتيم الوطن، أن يكبر فيجد لنفسه مشروعًا وانحيازًا خاصًا وعابرًا للصفوف والتشكيلات والأحزاب، وأن يتموضع بين مثقفي مرحلته دون انتماء إيديولوجي معلن، ودون أن يشعر بشذوذ أو خيانةٍ للوطن؟ 

بيد أن الدقة تقتضي أن نتذكر ميلاد إحسان عبَّاس سنة 1920، فهو لم يولد يتيم الوطن كالأجيال اللاحقة من أبناء شعبه، بل ولدته أمه «غزالة» في الوطن بالضبط، وفي قرية تقع إلى الجنوب من حيفا (كانت) تُسمى بالمصادفة «عين غزال» نسبةً إلى عين ماء عذبةٍ ترِدها الغزلان. وبعد ثلاثين عامًا سيمحو الإسرائيليون القرية كاسمها ليقيموا عليها مستعمرة «عوفر». 

ما يهمنا في هذا السياق أن ذاكرة إحسان لم تشهد قطيعةً في التكوين أو صدمةً طفولة بفعل النكبة، كتلك الصدمة التي يمكن أن نتحدث عنها على سبيل المثال ونحن نتذكر طفلًا في الثامنة من عمره اسمه غسان كنفاني، مطرودًا مع عائلته من عكا ويافا ليكبر لاجئًا في لبنان وسوريا. لقد تفتحت ذاكرة إحسان وتنفست في «فلسطين الانتدابية» كما يسميها بعض المؤرخين وأخذت وقتها الطبيعي هناك، أي قبل سنوات من النكبة التي شهدها شابًا مكتملًا. فهل يقول ذلك شيئًا عن علاقة إحسان عباس المتحاشية أو المتنائية بالنضال السياسي، أعني بمعناه الحزبي المباشر، كما كان حال معظم المثقفين في بيروت، بؤرة الاستقطاب السياسي، وهو الموجود في القلب منها أستاذًا في الجامعة الأمريكية؟ 

لفيصل درَّاج رأي طريف قد يصلح تعليلًا لنأي هذا «الراعي الغريب» عن ضوضاء المثقفين وأصواتهم العالية في المقهى إذ يتجادلون في الموضوعات السياسية الساخنة: «كأن هذا الفلسطيني الأصيل، الذي أصبح أكاديميًا لامعًا، قد احتفظ في لا وعيه بأطياف التلميذ الذي كانه في زمن السيطرة الاستعمارية الإنجليزية على فلسطين، حيث كان عليه، كي يكون «تلميذًا مقبولًا»، أن يحفظ دروسه جيدًا وألا يقرب المظاهرات الشعبية». 

لم تكن مرحلته البيروتية هي الأجمل كما يبدو، فلا تحضر المدينة في مذكراته «غربة الراعي» إلا في استذكار عابر لا يفي بربع قرنٍ عاشه فيها. فهل وجد نفسه في نكد من السياسية والسياسيين (الفلسطينيين) وفي مصطرعٍ شرس لا يشبه سكون «منفاه النسبي» حينما كان في السودان؟ 

كم كان جارحًا ومؤلمًا أن يقول رجل في عمره ما قاله لصديقه الناقد والأديب اللبناني أحمد عُلَبي، حين حكى له، قبل أن يغادر لبنان، كيف شاهد بالقرب من الجامعة الأمريكية رجلًا طاعنًا يتعرض للإهانة، «وذلك لأنه من الذين يلفظون كلمة «بندوره» بنون ساكنة، أي لإنه من أبناء الكرمل وبحر غزَّة». ثم أردف قائلًا: «أخشى أن أجد نفسي في موقف مهين كهذا»! 

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني