يقول أحدهم : «ركضنا خلف الراحة؛ فوجدنا التعب»-انتهى النص- وما بين الراحة والتعب ثمة فاصل دقيق يحمل عنوانا مهما؛ اسمه الـ«قناعة»، ولأن القناعة مفهوم معنوي، أي أنه غير ملموس؛ قد لا يستوحى في كل محطة من محطات الحياة، أو موقف يتضاعف الإيمان بأهميته، أو بأثره المباشر على واقع الحياة؛ فالناس يتوزعون مذاهب في حقيقة الإيمان به وبأهميته،
ولذا يخضع هذه المفهوم «القناعة» لكثير من الاعتبارات، وقد يتوغل في دهاليز التقييم، فيصعب تحجيمه، فما بين متعثر في فقره، وبين متعثر في غناه، وما بين ممتحن بجهله؛ وآخر ممتحن بعلمه، وبين غارق في مشاكله؛ ومفتتن بتوافقاته مع ما يدور حوله، تأتي «المثالية» لتؤزم المواقف،
وتعلي من صوت هذا «التعب» الذي يتحدث عنه الجميع في كلا طرفي المعادلة التي تظهرها مجموعات المتضادات التي نعيشها في حياتنا اليومية، ولذلك فمن يسعى إلى المثالية؛ قد لا يؤمن كثيرا بالقناعة، لأن القناعة هي الحد الأدنى من الحاجة، بينما تستلزم المثالية الحد الأعلى من الرغبة، وإذا القناعة تستوجب الكثير من التنازلات، فالمثالية تتضاد مع هذه التنازلات؛ فمتطلباتها هي الوصول إلى المستوى الأعلى من الأشياء المحققة للمثالية؛ حيث لا تكتفي بما تيسر،
وهي مرشحة إلى الوصول بالحالة إلى مستويات الترف، ولذلك فليس باستطاعة الجميع أن يكون على الحالة المثالية للأشياء، وتظل النسبية مسألة قائمة في الممارسات وصولا إلى الحالة المثالية.
والسؤال: لماذا يحدث هذا؟ والجواب: لأننا مفتونون أبدا بالحالة المثالية؛ لأنها تمثل الغاية في كل شيء؛ حسب تفكيرنا؛ وبالتالي فالوصول إلى الغايات لعل لنا أن نحقق كافة الالتزامات المتعلقة بتحقيق الغايات، فهي من ناحية فارضة نفسها بحكم الواقع، الذي يقول: إن الأمور لا بد أن تكون وفق مجموعة من الالتزامات حتى تتحقق الغايات، وهي من ناحية أخرى شعور فردي يلزم صاحبه بأنه إن لم يحقق كذا وكذا؛ فإنه لن يصل إلى مستويات المثالية فوق ما يكلفه ذلك من تعب وإرهاق، وقد يتصادم مع من حوله للوصول إلى ذلك.
يحتفي الشعور في المجتمعات المركبة بالمثالية، ويرى أنها من مستلزمات الحياة اليومية؛ وذلك طمعا في مجموعة من القوانين والمثل والأعراف التي تنظم حياة الناس، وتضع الكثير من المحددات التي تلزم كل طرف عند حد معين، أو مستوى من التفاعل، وهذا ما تذهب إليه الحالة بعد ذلك إلى وجود الطبقية الاجتماعية؛ حيث تلعب المخيلة الاجتماعية دورا مهما في هذا الجانب، خاصة في تفاعلات الطبقة المخملية التي ترهق أفرادها بالمثل المبالغ في تقديرها، للإيمان بأن هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على السلوك والمستوى الاجتماعي لذات الطبقة، وما لا يتحقق بالقناعة الشخصية في تنفيذ ما تتطلبه المثالية، يتحقق بالوسائل المادية، وهي الوسائل الكفيلة بشحن المظاهر بالصور الاحتفالية المبالغ فيها، فالمهم أن تظهر الصورة العامة مكتملة التحقق، ويشيد الناس بها،
وهذا ما لا يتحقق عند الطبقات الفقيرة التي أقصى ما عندها أن تكون عند مستويات القناعة، أو تحقق الحاجة وكفى، وبالتالي فحالات القلق والضغط النفسي عادة ما يصاحب أفراد الطبقات المخملية خوف الإشارة إليها بأنها غير مثالية، أو عدم استيعاب المستوى الاجتماعي الذي هم عليه، والمقابل لا يحدث كل ذلك عند الطبقات الفقيرة، لأن مستويات الرغبة غير متحققة عندها لمحدودية الإمكانيات المادية، ولأنها أصبحت في حكم العرف، أن هذا أقصى ما يمكن أن تقدمه تعبيرا عن حقيقتها.
والسؤال الآخر: هل هناك توافق أو تضاد ما بين المثالية والطموح؟ هذه المسألة يحددها الفرد نفسه، أكثر من أن ينظر إليها على أنها حالة عامة ويمكن الجزم بالحكم عليها، فالطموح مشروع إنساني مهم لحياة كل فرد، ولا يتحقق إلا بعوامل معنوية قبل كل شيء،
ومن ثم الأخذ بالأسباب لتحقيق طموح ما، ومعنى ذلك قد يتحقق هذا الطموح دون الوصول إلى المثالية، وقد لا يتحقق، أما المثالية فيحرص صاحبها على أن يلتزم هو ومن حوله بأن تكون الحالة المتحققة مكتملة الأركان غير قابلة لأي عيب كان، فهي أقرب إلى الإنجاز الجمعي منه إلى الإنجاز الشخصي الموسوم بالطموح.