عندما قرر الكاتب الشاب، وقتها، الطيب صالح أن يكتب روايته الجديدة اختار قاعة المحكمة ليلتقط منها موضوعه. حكى -رحمه الله- في أكثر من مناسبة أنه داوم على حضور جلسات محاكمة شاب مهاجر متهم بجريمة قتل، وكانت فكرته أن يكتب رواية بوليسية قانونية توثق للمحاكمة.
لكن داخل قاعات محكمة الجنايات المركزية في لندن، تعثر الروائي الشاب بالحقيقة الروائية؛ وبدلا من رواية وثائقية تدور داخل المحكمة وترصد تفاصيل الجريمة وتقارير الشرطة والسجالات القانونية الجافة، انتقل الطيب صالح في لحظة تجلٍّ إبداعي بالقصة إلى «موسم الهجرة إلى الشمال»، وولد مصطفى سعيد، أحد أشهر الشخصيات الروائية العربية.
ما فعله الطيب هو الانتقال من «توثيق المحاكمة» إلى «توثيق القضية»؛ لم يعد ينظر إلى الجريمة، لكنه يرى الحادثة. فكتب سابرا لها ليوثق الصراع الإنساني مع الذات ومع الآخر، وعلاقة المُستعمَر بالمُستعمِر، لا بعض تفاصيل قانونية وإجرائية باردة.
لا نذكر اليوم اسم المهاجر الشاب الذي كان يُحاكم في قاعات «أولد بيلي» في خمسينيات القرن الماضي، لكننا نعرف مصطفى سعيد الذي دخل تاريخ الأدب مرتكبا الجرائم ذاتها، وممثلا للمتهم المجهول.
هل أضاع علينا الطيب صالح فرصة معرفة ما حدث للمهاجر المتهم؟ لقد ذهب إلى المحكمة ولم ينظر إلى الشاب القابع في القفص، لكنه رأى المُستعمَر التائه، وأدلة الاتهام لا تدين الشاب لكنها تحاكم أوروبا. كتب الطيب صالح عن المحكمة والجريمة، لكنها كتابة روائية توثق جوهر الأشياء لا حرفيتها.
التوثيق الأسطوري ذاته الذي نقرأه في رواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز؛ إذ يحكي ماركيز عن نجاة خوسيه أركاديو الثاني من مذبحة ضد عمال شركات الموز، وعن أكثر من ثلاثة آلاف قتيل: «الموتى.. لا بد أنهم كل من كانوا في المحطة». يرجع خوسيه أركاديو الثاني بمعجزة من قطار الموت الذي حمل الجثث، ليفاجأ بأن لا أحد يعترف بالمذبحة: «لم يسقط هنا أي موتى. منذ زمن عمك الكولونيل لم يحدث شيء في ماكوندو» (دار المدى ترجمة صالح علماني).
يوثق ماركيز في هذه الحكاية واحدة من أبشع حوادث التاريخ الكولومبي، الحادثة المعروفة باسم «مجزرة مزارع الموز» التي وقعت عام 1928؛ حيث جُوبِه إضراب عمالي يطالب بعقود عمل قانونية وأجور نقدية بدلا من قسائم الشراء ويوم راحة أسبوعي بقوة عسكرية إثر تدخل السفير الأمريكي في بوجوتا.
تراوحت التقديرات التاريخية لعدد الضحايا ما بين العشرات والمئات اعتمادا على تقارير دبلوماسية أمريكية سرية، لم يذكر أحد عدد ثلاثة آلاف ضحية، «كل من كانوا في المحطة»، كما جاء في الرواية. ويشرح ماركيز لاحقا أنه ضخّم أعداد الضحايا عمدا.
هل هذا تزييف؟ لم يوثق ماركيز المجزرة، إنما وثق جريمة شركات الموز؛ الشركات التي تستطيع الضغط على الحكومة الأمريكية لتجبر حكومة كولومبيا على قتل مواطنيها، ثم فرض تعتيم على الخبر. وثق ماركيز ذلك بتضخيم عدد الضحايا، وبإبراز إنكار أهل القتلى أنهم قُتلوا.
يقول أحمد مطر: «لي صديقٌ بترَ الوالي ذراعه/ عندما امتدت إلى مائدة الشبعانِ أيام المجاعه/ فمضى يشكو إلى الناسِ/ ولكن أعلن المذياع فورا إنَ شكواه إشاعه/ فازدراه الناسُ وانفضوا ولم يحتملوا حتى سماعه/ وصديقي مثلهم.. كذّبَ شكواهُ وأبدى بالبياناتِ اقتناعه»
لم يوثق ماركيز رقم الأمر العسكري الصادر، ولا تتبع أعداد الضحايا من رسائل السفارة، لكنه صوّر بالحادثة كل جريمة الاستعمار؛ من استغلال العمال حتى إنكار الضحايا. توثيق يلخصه قول الكولونيل بوينديا: «انظروا البلاء الذي جلبناه لأنفسنا لمجرد أننا دعونا أمريكيا لتناول الموز عندنا».
يأخذ ماركيز الحادثة من مذبحة واحدة حدثت في ديسمبر 1928 لتصبح صورة لنفوذ شركات الموز وجرائمها. الضحايا هم «كل من كانوا في المحطة»، ليسوا عشرة أو مائة، بل الجميع: رجالا ونساء وأطفالا. والرقابة العسكرية على الخبر تنجح، وتمسخ السلطة المستبدة وعي المستضعفين، حتى ينكر الناس موتاهم. هكذا يرى الأدب الأشياء، لا ينظر إليها. يوثق «الظلم»، لا يتبع «المظلمة».
مثلما فعل نجيب محفوظ في رواية «الكرنك» عن حقبة الستينيات المصرية؛ تلك الرواية التي أعلن محفوظ لاحقا عدم رضاه عنها ربما لأسباب تتعلق بالتأويل السياسي لموقف صاحبها لم تجمع وثائق التعذيب، ولا رصدت ما تنشره الصحف وقتها (1974) عن مراكز القوى وانتهاكات الأجهزة، لكنها أخذت نماذج متداولة على الألسنة لتوثق لا حالات فردية، وإنما فكرة انحراف السلطة وبطشها.
يجعل هذا التضخيم أو التحريف الأدبي المتعمد اهتمام الأدب بتوثيق قضية إنسانية أكبر من التركيز على التوثيق الصحفي لحدث ما؛ فجريمة قتل مهاجر أسود لفتاة بريطانية تصبح قضية هوية وتوثيقا لصراع الشرق والغرب، ومذبحة قطار الموز الكولومبي تصبح قضية الإمبريالية وتوثق قهر رأس المال للمستضعفين، ومحاكمة السادات لصلاح نصر تصبح قضية قمع السلطة وتوثق خداع الظالم لنفسه. هكذا تتحول حوادث محدودة إلى نماذج عالمية تهم كل شخص في أماكن وأزمنة مختلفة؛ فمن لا تهمه مذبحة عمال مزارع موز في مدينة كولومبية في عشرينيات القرن الماضي، تهمه اليوم قدرة أصحاب السلطة على غسل أدمغة الضحايا.
هكذا يحرس الأدب الذاكرة؛ لا بالنظر للأحداث، ولكن برؤية ما خلفها من هم إنساني يخاطب جميع البشر. الروائي ليس مؤرخا، لكنه أحد حراس الذاكرة الإنسانية، يوثق للقضية الانسانية وليس للحادثة الواحدة.