«يا غريب كون أديب»

19 أغسطس 2026
19 أغسطس 2026

أحيانًا نطلق على شعوب بأكملها أحكامًا مطلقة بأنها شعوب سيئة، أو بخيلة، أو محتالة، أو خبيثة، أو غيرها من الصفات السلبية، وأحيانًا نعمم أحكامنا على شعوب أخرى بأنها متعاونة، أو مضيافة، أو ماهرة، أو طيبة، وهكذا.. وفي كلتا الحالتين يبني العالم أحكامه بناءً على تصرفات فردية تعرضوا لها، أو سمعوا بها، أو قرأوا عنها من أكثر من شخص من دولة ما، ثم يتحوّل الحكم الفردي إلى حكم جمعي، وهكذا تسير الأمور عادة.

وهذا ما يحصل لدينا، فالعُماني معروف أينما ذهب بقلّة مشاكله، وتعامله الراقي، وتهذُّبه، فهو لذلك في نظر كثيرين «شعب ودود وطيّب»، وفي الواقع المعاش نتعامل يوميًا مع جنسيات مختلفة، سواء عربية أو أجنبية، وعلى سبيل المثال تكثر أحيانًا شكاوى «محددة» من جنسيات دون غيرها، وخاصة فيما يتعلّق بالنصب والاحتيال الذي كثر أخيرًا، وتركّز على جنسيات دون غيرها، وترك انطباعًا سلبيًا لدى العامة، حتى حكموا على شعب بأكمله بأنه لا يمكن التعامل معه، أو الثقة به، وهم على حق، فالصورة أو الانطباع الذي تركته تصرفات أفراد من تلك الجنسية أدّى إلى هذه النتيجة، وتحوّل هذا الحكم إلى حكم جمعي مطلق، ينسحب حتى على الأفراد الجيدين من تلك الدول، الذين لا ذنب لهم، وهذا ما يحصل حين تتعدد شكاوى متتالية كالسرقات، أو القتل من جنسيات معينة، حيث تقل نسبة قبول مواطني تلك البلاد لدى الآخرين، وهذا ما حصل عند جنسيات معينة من «عاملات المنازل»، حيث كثرت الشكوى والتذمر منهن، وجرائم قتل الأطفال، والتصرفات الإجرامية الشاذة، حتى أصبحن منبوذات، وغير مرغوبات للعمل في البيوت، وهذا ينجرّ على كثير من الصفات التي ترسّبت في نفوس الناس، بسبب أفعال «متواترة» قام بها أفراد من جنسية ما، حتى أصبح تعميمها أمرًا واقعًا.

ولذلك يبقى مواطنو أي دولة هم سفراؤها، ومرآتها التي يرى الآخرون فيها سلوك شعب ما، ويبنون عليه انطباعهم الأوليّ، والذي قد يتحول إلى حكم جمعي سابق تجاه أبناء تلك الدولة، وهذا ما يحدث حين نقرر السفر إلى جهة ما، حيث يتبادر إلى الأذهان صورة تعامل شعوب تلك الدولة مع ضيوف بلادهم، فكم من موطن سياحي خسر سمعته بسبب تصرفات مواطنيه، وكم من دولة تتمتع بمزايا سياحية مذهلة، ولكنها غير مرغوب بزيارتها بالنسبة للآخرين بسبب سوء تعامل مواطنيها مع السياح، وهناك دول كثيرة طغت سمعة شعوبها السيئة أو الجيدة على معالمها، وفي المقابل كم من دولة ما تزال تحتفظ بسمعتها السياحية العالية رغم مرور السنين بسبب التعامل الودود الذي يلقاه السائح هناك، وهكذا تترسّخ الانطباعات الجمعية في أذهان الناس بسبب تكرار التجارب «السلوكية والثقافية» لأفراد تلك الدول.

هناك مثل عُماني دارج يقول: «يا غريب كون أديب»، وهي مقولة تلخص السلوك الحضاري الذي يجب أن يتمتع به الزائر، أو العامل في غربته، لذلك على الجميع أن يعي بأنه سفير لبلده في أي مكان، سواء داخل دولته، أو خارجها، وبناءً على تكرار تصرفات الأفراد وسلوكهم يبني العالم انطباعًا جمعيًا عامًا عن بلاد ما، إما أن يكون سلبيًا وإما إيجابيًا.. فاحرص أن تكون تصرفاتك وأخلاقك مرآة تعكس حضارة ورقي بلدك، وكن خير سفير لوطنك أينما حللتَ، أو ارتحلتَ.