المبادرات الثقافية: من تمويل الفعالية إلى صناعة المؤسسة
أما التمويل فيتعلق بتوفير الموارد المالية والعينية اللازمة لاستمرار المبادرة، وتنويع مصادرها عبر الشراكات والرعاية، والمنح، ورسوم البرامج، وغيرها.
وإذا كان لكلّ مبادرة أهدافها المعلنة فإن أسمى ما تتركه في المجتمع هو صناعة الفارق، ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق الأثر؛ أي التغيير الحقيقي الذي تُحدثه المبادرة في المستفيدين، أو المجتمع والمشهد الثقافي، ويُقاس بالنتائج الكمية والنوعية التي تستمر بعد انتهاء النشاط.
عندئذ نطرح هذه الأسئلة على سبيل المثال: هل حققت المبادرات الثقافية على وجه الحقيقة أهدافها المُعلنة؟ كيف تستطيع المبادرات الحصول على التمويل الجيد؟ كيف تحقق الاستدامة؟ لماذا ما يزال دعم القطاع الخاص للمبادرات الثقافية محدودا وغير مستدام؟ والسؤال الأهم: ما دور المجتمع المحلي في دعم المبادرات وبناء حاضنة لها، بما يمكّنها من الانتقال من منطق الرعاية المؤقتة للحدث إلى منطق الاستثمار طويل الأمد في المؤسسة والإنسان والأثر؟ إن محاولة الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها تتوزع على ثلاثة جوانب، الأول الجانب الرسمي المسؤول عن تكوين هذه المبادرات ورعايتها والإشراف على كياناتها.
والجانب الثاني المجتمع العماني وقدرته على دعم هذه المبادرات بعد تحديد حاجاته منها، فالناس يتكلمون عن الثقافة وأهميتها ورسالتها، لكنهم في الواقع الفعلي يقفون بتردد كبير في دعم مبادرة ثقافية، إلا في استثناءات ضيقة جدا، ولسان حالهم يقول: ما الجديد الذي ستقدمه المبادرة وهناك وزارة معنية بالثقافة؟ وما الأثر الذي ستحدثه أي مبادرة ثقافية على المدى البعيد، إذا ظل نشاطها نخبويًا يقتصر على تقديم المعلومات؟ أما الجانب الثالث والأخير فيخص القطاع الخاص.
من واقع التجربة الشخصية كان هناك عزوف عن دعم المختبر، بحجة ما العائد الذي سيعود على الجهة الممولة؟ فالممول مهما كانت الجهة التي يمثلها؛ شركة أو مؤسسة أو مصرفا، ينطلق من فكرة اقتصادية مفادها أن رأس المال غالبا لا يتحرك دون توقع عائد أو منفعة، إنه لا يمنح، بل يستثمر.
وكذلك في مبادرة (حي جميل) بالمملكة العربية السعودية التي افتتحت في جدة عام 2021م، بوصفها مجمعا للفنون والصناعات الإبداعية. وفي الشارقة تأسست مؤسسة بارجيل للفنون عام 2010م، المعنية بالفن العربي الحديث والمعاصر. إن هذه النماذج تكشف عن الكيفية التي يتحول بها رأس المال إلى شريك في صناعة المؤسسات الثقافية.
إن هذا الأمر مهم أيضا؛ لأنه جزء من الاعتراف والتقدير لمؤسسي المبادرة لكن الأمر المهم أمام المبادرات، في ظل رؤية «عمان 2040» هو كيف ننتقل في سلطنة عمان من تمويل القطاع الخاص للفعاليات والمبادرات إلى استثماره في بناء مؤسسات ثقافية مستدامة؟ إن تنمية الثقافة وتطوير المجتمع ثقافيا لا يقتصر على جوانب أدبية في الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح، والنقد.
إن الثقافة هي النظرة الشمولية إلى جميع جوانب الحياة ومظاهر التطور والتجديد والرعاية، وتشترك في تحقيق ذلك المؤسسات الرسمية والمجتمع وقطاعاته الخاصة، وإذا نظرنا إلى جهود هؤلاء في دعم المبادرات الثقافية، فإننا نتطلع إلى الأثر الحضاري الذي ينعكس على عمان ويليق بمكانتها التي تستحقها.
